<<  <   >  >>

[المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن.]

وأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة.

ولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: " مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون "، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث.

منهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث:

ومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (1) حين قال:

وَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا

وقال أيضاً:

وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (2)


(1) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب (ت: 354 هـ)، الشاعر الحكيم، وله الأمثال السائرة والحكم البالغة المبتكرة، وفيات الأعيان (ج1/ 120).
(2) الواحدي: علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن (ت:468)، شرح ديوان المتنبي، طبعة دار الرائد العربي، بيروت، تحقيق: ياسين الأيوبي (ص113)، وهي من بحر الوافر.

<<  <   >  >>