<<  <   >  >>

عَنْ سَعِيد قوله " (1).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني قد صرح بها أبو حاتم: فقال: "، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "، وقد ذكر الدارقطني رواية سفيان بن حسين عن الزهري وأنها المحفوظة أي المشهورة بين الحفاظ، ولا يعني أنها صحيحة بل أشار إلى وجه العلة في الحديث من هذه الجهة، وهي أنَّ الطريق الأخرى ضعيفة وغير مشهورة.

فإنَّ أهل العلم يضعفون سفيان بن حسين في الزهري كما سبق بيانه، وهي قرينة العلة التي أعلَّ بها الدارقطني الحديث، وطريق ابن بشير ضعيفة، فقد قال ابن معين في سعيد بن بشير: " ليس بشئ "، وضعفه أحمد والنَّسائي، وقال ابن نُمَيرٍ: "منكر الحديث ليس بشئ" (2)، فدل ذلك على أنَّ الحديث معلول ولا يصح من الوجهين، والله أعلم.

المطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان.

وهذه القرينة من أشهر وأقوى القرائن والدلالات التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد في تعليل الأحاديث، وقد أثبت التاريخ بهذه القرينة أروع القصص مما يدل على اصطفاء الله لهذه الأمة، فحفظ الله الدين بهؤلاء الأفذاذ الذين قلَّ أن يجود بهم الزمان، فكانوا كالجبال الشُّمِ في حفظهم وإتقانهم لمتون حديث رسُول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال ابنُ رجب: قاعدةٌ مهمةٌ: حُذّاق النقادِ من الحفّاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فَهْمٌ خاصٌ يفهمون به أنَّ هذا الحديثَ يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديثَ بذلكَ، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنّما يرجعُ فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع " (3).


(1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص1525)، رقم (2249).
(2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج4/ص9).
(3) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص488).

<<  <   >  >>