للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وإنما نهايةُ هذه النَّظريةِ إلى الجبرِ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم على الحقيقةِ هو اللهُ، وهذا غيرُ صوابٍ، وإنما الصواب في ذلك: أنَّ الله خالقُ أفعالِ العبادِ، والعبادُ هم الفاعلونَ حقيقةً بما خلقَ اللهُ فيهم من المشيئةِ والاختيارِ والقدرةِ التي بها يفعلونَ (١)، واللهُ أعلمُ.

٦ - التَّأويلُ، وقد نصَّ على قاعدةٍ في التأويلِ، فقال: «التَّأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النَّبيِّ عليه السلام، وفي كتاب الله، وأمَّا في عبارة مفسِّر فلا» (٢).

ولم يذكرْ ضابطاً فيما يُأوَّلُ وما لا يُأوَّلُ من النُّصوصِ، وإنما يرجعُ الأمرُ عنده إلى عقلِه الذي يحكمُ بالتَّأويلِ هنا ولا يحكمُ به هناك، وإلاَّ فلمَ أنكر على من قال بالتَّأويلِ في أمورِ المعادِ ما دام أنَّه فتحَ البابَ للتَّأويلِ وصحَّحَهُ، ولم يقولُ: «... أنَّ القولَ في الميزانِ هو من عقائدِ الشَّرعِ الذي لم يُعرفْ إلاَّ سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجازِ (٣) غمرتنا أقوالُ الملحدة


(١) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، ط: دار الكتب العلمية (ص:٢٣٣).
(٢) المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٣٨٦)، وقد ذكر هذه القاعدة لأن منذر بن سعيد أوَّل تفسير السدي في الكرسي، قال السدي: الكرسي موضع قدميه، وأوَّلها منذر بمعنى: ما قدم من المخلوقات، قال ابن عطية: «وهذا عندي عناء؛ لأن التأويل لا يضطر إليه إلاَّ في ألفاظ النبي عليه السلام ...». ينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (٢:٢٨٥ - ٢٨٦).
وقد ذكر ابن عرفة هذه القاعدة عند هذه الآية، ينظر: تفسير ابن عرفة برواية الأبي، تحقيق: حسن المناعي (٢:٧٢٨).
وما قعَّده ابن عطيَّة هنا، كان قد خالفه في (١:٢٢٣ - ٢٢٤)، حيث قال ـ عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ـ: «واستوى: قال قوم: معناه: علا دون تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه». وهذا غير مراد الطبري، بل تأويلٌ لكلامه.
(٣) التأويلُ والمجازُ وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، وإن شئتَ قلتَ: إنَّ المجازَ أداةُ التأويلِ، والمرادُ به التأويلُ المنحرفُ.

<<  <   >  >>