للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أي: إن أتاه فقيرٌ» (١).

والخُلَّةُ: كمالُ المحبةِ التي لا خللَ فيها، وهي المرادةُ هنا، أمَّا الخَلَّةُ بمعنى: الفقرِ، فلا محلَّ لها في هذا الآية.

وإنما ذهبوا لذلك؛ لأنه تقرَّرَ عندهم في عقولِهم التي هي الحَكَمُ على ألفاظِ الشَّرْعِ، أنَّ الباريَ سبحانَهُ منزَّهٌ عن هذه الصفاتِ التي تدلُّ على الحدوثِ، بزعمهم، فلما كان هذا ثابتاً عندهم، تأوَّلوا هذا اللفظَ على ذلك المعنى فِرَاراً من إثباتِ ما أثبتَهُ اللهُ لنفسِه، وأكرمَ به نبيَّهُ إبراهيمَ عليه السلام.

٢ - وفي قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: ٦٤]، فسَّروا اليدين بأنهما: نِعْمَتَاهُ، قال القاضي عبدُ الجبَّارِ (ت:٤١٥): «والمرادُ بذلك: أنَّ نعمتيه مبسوطتانِ على العبادِ، وأراد به نعمةَ الدينِ والدنيا، والنَّعمةَ الظاهرةَ والنَّعمةَ الباطنةَ، وقد يُعبَّرُ باليَدِ عن النِّعمةِ، فيقالُ: لفلانٍ عندي يدٌ وأيادٍ ويدٌ جسيمةٌ» (٢).

وإنَّما دعاهُ إلى ذلك تنْزيهُ اللهِ عنِ الجِسْمِيَّةِ (٣)، بزعمِهِ، وساعدَه في ذلك سَعَةُ إطلاق اليدِ في العربيَّةِ على معانٍ، منها ما ذَكَرَهُ.

وقدْ رَدَّ هذا التأويلَ الذي يذهبُ باللَّفظِ إلى غيرِ حقيقتِهِ أعلامُ السُّنَّةِ؛


(١) تأويل مختلف الحديث (ص:٨٣)، وقد قال معقِّباً: «فأية فضيلة في هذا لإبراهيم صلّى الله عليه وسلّم؟ أما تعلمون أن الناس جميعاً فقراء إلى الله تعالى، وهل إبراهيم في «خليل الله» إلاَّ كما قيل: موسى كليم الله، وعيسى روح الله». وينظر: الاختلاف في اللفظ (ص:٣٦).
(٢) متشابه القرآن (١:٢٣١)، وينظر تأويل بشر المريسي في الرد عليه للدارمي (ص:٣٨، ٣٩). وعلى هذا سار جمهور المؤوِّلة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم. وقد نقد الزمخشري ـ وهو معتزلي ـ هذا التأويل، فقال: «والتفسير بالنعمة، والتمحُّلُ للتثنية من ضيق العطن، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام». الكشاف (٢:٥٣٠)، واللفظة لم تسلم عنده، بل جعلها من المجاز، ولا ثَمَّ حقيقة، وينظر: (١:٦٢٨).
(٣) هذا اللفظ من ألفاظ المبتدعة لتشنيع القول بالصفات الإلهية، وإلاَّ فأهل الحقِّ لا يجيزون مثل هذا الوصف ولا يقولون إلاَّ بالوارد عن الشارع.

<<  <   >  >>