للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:٥٣٨): «وكذلكَ ما يُرْوَى عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما ـ منْ بكاءِ مُصَلَّى المؤمنِ وآثارِهِ في الأرضِ، ومصاعدِ عملِه ومهابطِ رزقِهِ في السَّمَاءِ ـ تمثيلٌ» (١).

وإذا كانَ هؤلاءِ لم يَحْتَشِمُوا في ظواهرِ القرآنِ، فَسَلَّطوا عليها التَّأويلَ المزعومَ فيه الرجوعُ إلى الحُجَجِ العقليَّةِ التي هي الدَّليلُ عندَهُم، وعليها تُعْرَضُ ظَوَاهِرُ القرآنِ (٢)، وهذا المذهبُ بمسمَّى التَّحريفِ أَوْلَى، فإذا كانَ هذا مذهبُهم في ظواهرِ القرآنِ = فمنْ بابٍ أَوْلَى أنْ لا يَحْتَشِمُوا في ألفاظِ منْ سواهُ.

والمقصودُ أنَّ هذه التَّفاسيرَ المبتدَعَةَ تُنَاقضُ ما جاءَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ قولَ السَّلفِ يجعلُ البكاءَ منَ السَّماءِ والأرضِ حقيقةً، كما هو ظاهرُ التَّنْزيل. وهذه الأقوالُ بأجمعِها لا تجعلُ لهما بُكَاءً.

ومنْ ثَمَّ، فإنَّ ما ذهبوا إليه ـ من إنكارِ كَونِ السَّماءِ والأرضِ تبكيانِ ـ قولٌ مردودٌ، ولا يؤخذُ به؛ لعدمِ إمكانيَّةِ اجتماعه مع ما قالَه السَّلفُ في معنى الآيةِ، إذ هو مناقضٌ لقولِهم، واللهُ أعلمُ.


(١) الكشاف (٣: ٥٠٤). وينظر تخريج الشريف المرتضى لقول ابن عباس، في أماليه (١:٥٣)، فقد حمله على المجازِ.
(٢) يقول الشريف المرتضى في أماليه (٢:٣٥٠): «اعلمْ أنَّ المُعَوَّلَ فيما يُعتَقَدُ على ما تدلُّ الأدلةُ عليه منْ نَفْيٍ أو إثباتٍ.
فإذا دَلَّتِ الأدلةُ على أمرٍ منَ الأمورِ، وجبَ أنْ نَبْنِيَ كَلَّ واردٍ منَ الأخبارِ ـ إذا كانَ ظاهرُه بخلافِه ـ عليه، ونسوقُه إليه، ونطابقُ بَينَهُ وبَينَهُ، ونُجَلِّي ظاهراً إن كانَ له، ونَشْرِطَ إنْ كانَ مطلقاً، ونخُصَّه إنْ كانَ عامًّا، ونفصِّلَه إنْ كانَ مجملاً، ونوفِّقَ بينه وبينَ الأدلةِ منْ كلِّ طريقٍ اقتضى الموافقةَ وآلَ إلى المطابقةِ.
وإذا كنَّا نفعلُ ذلك ولا نَحْتَشِمُهُ في ظواهرِ القرآنِ المقطوعِ على صحتِه، المعلومِ ورودُه، فكيفَ نتوقَّفُ عن ذلكَ في أخبارِ آحادٍ لا توجبُ عِلْماً، ولا تُثْمِرُ يقيناً؟! فمتى وردتْ عليك أخبارٌ فاعرضْها على هذه الجملةِ وابْنِهَا عليها، وافعلْ فيما حَكَمَتْ به الأدلةُ، وأوجبْتُه الحججُ العقليَّةُ، وإن تعذَّرَ فيها بناءٌ وتأويلٌ وتخريجٌ وتنْزيلٌ، فليسَ غيرُ الاطِّراحِ لها، وترك التعريجِ عليها».

<<  <   >  >>