للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إلى مُفهِّمٍ ولا معلِّمٍ، وإنَّما تفاوتَ النَّاسُ في إدراكِ هذا الذي ذكرناه، فلذلكَ اختلفتْ أفهامُهم، وتباينتْ أقوالُهم.

وقد جرينَا الكلامَ يوماً مع بعضِ من عاصَرَنا، فكانَ يزعمُ أنَّ علمَ التَّفسيرِ مضطرٌّ إلى النَّقلِ في فهم معاني تراكيبِه بالإسناد إلى مجاهد وطاووس وعكرمة وأضرابِهم، وأنَّ فَهْمَ الآياتِ متوقِّفٌ على ذلكَ.

والعجبُ له أنَّه يرى أقوالَ هؤلاءِ كثيرةُ الاختلافِ، متباينةُ الأوصافِ، متعارضةٌ، ينقضُ بعضُها بعضاً ... وكان هذا المعاصرُ يزعمُ أن كل آيةٍ نقل فيها التَّفسير خلف عن سلف بالسند إلى أن وصل إلى الصحابة، ومن كلامه أنَّ الصحابةَ سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن تفسيرها هذا (١) ...» (٢).


(١) هذا المذهبُ الذي يحكيه قريبٌ من رأي معاصره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد طرحه في المقدمة المسماة مقدمة في أصول التفسير، وبغية المرتاد (ص:٣٣٠ - ٣٣٢)، وغيرها.
(٢) البحر المحيط، بعناية الشيخ عرفات العشا حسونة (١:١٣).
أمَّا اضطرارُ فهم القرآنِ بالرجوعِ إلى تفسيرِ هؤلاء السلفِ، وجعله حجة يُحتكمُ إليه، فهذا هو الصحيحُ، وإلاَّ لأطلقَ كل عالمٍ باللغةِ، أو متعالمٍ عنانه في تأويل القرآنِ دونَ قيدٍ أو ضابطٍ، سوى فهم العربيَّةِ، وهذا غيرُ صحيحٍ البتَّةَ.
أمَّا قولُه بأنَّ أقوالَهم متعارضةُ، فلو كان غيرُ أبي حيَّانَ قالها!
إنَّه بعلمِه بالعربيَّة يُمكنُ أنْ يؤلِّف بين أقوالِهم ويجمع بينها، ويظهر له اتِّفاقها، لا تباينها وافتراقَها، ومن عِلم أسباب الاختلافِ وتنوُّعه، وتمرَّسَ فيهما، هان عليه ما يرى من اختلافِ السلف، وسَهُلَ عليه معرفةُ التَّفسيرِ.
ثُمَّ يُقالُ له: هل هؤلاءِ المختلفونَ يعلمونَ العربيَّةَ ويفسِّرونَ بها؟
فإن كانوا لا يعلمونها ـ وهذا غير صحيحٍ ـ فقد فسَّروا القرآنَ بآرائهم من دونِ علمٍ.
وإن كانوا يعلمونها، وهذا هو الحقُّ، فإنَّ المفسِّرَ محتاجٌ إلى معرفة أقوالهم، وقد أشار إلى معرفتهم باللسانِ (١:٢٥ - ٢٦) بقوله: «ومن المتكلمين في التفسير من التابعين: الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعلقمة، والضحاك بن مزاحم، والسُّدِّيُّ، وأبو صالح ... وكانت تآليفُ المتقدمين أكثرها، إنما هو شرح لغة، ونقل سبب، ونسخ، وقصص؛ لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب. فلما فسد اللسان، وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع =

<<  <   >  >>