للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيها للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة مطلقا، وقد فعل ذلك البخاري وغيره، فابتدءوا به قبل كل شيء، وذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه.

قال: قال الحفاظ: لم يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة، ولهذا قال الأئمة: ليس هو متواترا، وإن كان مشهورا عند الخاصة والعامة، لأنه فقد شرط التواتر في أوله.

قال: وفيه طرفة من طرف الإسناد، فإنه رواه ثلاثة تابعيون، بعضهم عن بعض، يحيى ومحمد وعلقمة. اهـ.

وقد اختلف العلماء في اشتراط النية في بعض العبادات، فمن اشترطها قدر: إنما صحة الأعمال بالنيات، ومن لم يشترطها قدر: إنما كمال الأعمال بالنيات، ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، ومن هنا قال النووي: فتقدير الحديث أن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية.

قال الحافظ ابن حجر: وليس الخلاف بينهم في مقاصد العبادات، كالصلاة، إذ لا خلاف بينهم في اشتراط النية لها، وإنما الخلاف في الوسائل كالوضوء والغسل والتيمم. اهـ. والمحقق في المسألة يرى أن العلماء لم يتفقوا على اشتراط النية كقاعدة في كل الأعمال، أو عدم اشتراطها.

فهناك من القرب والطاعات ما لا يجب فيه نية، عند من يوجبها في وسائل العبادات، كالأذكار والأدعية والتلاوة، قالوا: لأنها تتميز بنفسها، وتختص بالطاعة، وهذا التوجيه معترض بالتيمم مثلا، فهو كذلك لا يتردد بين العبادة والعادة، نعم لو قصد بالذكر القربة واستحضرها كان أكثر ثوابا باتفاق، ومن هنا قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت المجرد عن التفكير، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى حركة اللسان مع القلب. اهـ. وعليه من لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس في الثواب كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى.

وهناك أيضا من القرب والطاعات ما يحصل ثوابها بغير نية تبعا لنية أخرى، كمن دخل المسجد، فصلى الفرض قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها.

وهناك النكاح والطلاق والعتق هزلها كجدها بقطع النظر عن النية، ومن هنا قال النووي: وتدخل النية في الطلاق والعتق، ومعنى دخولها إذا قارنت كناية بالطلاق صارت كالصريح، وأنه إذا أتى بصريح الطلاق، ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى. اهـ.

وهناك التروك لا تحتاج إلى نية، وذهب جمهور الشافعية إلى أن إزالة النجاسة من التروك، وهو

<<  <  ج: ص:  >  >>