للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع فمعناه في بعض الفروع خاصة، وهذا المعنى هو الذي يقصده الأصوليون بقولهم شريعتنا ناسخة لجمِيع الشرائع (١)، فدعوة الرسل واحدة والمنبع واحد والمصدر والمنهج واحد والرسل كلهم لبنات متصاعدة مرتبة لا تناقض في رسالاتهم ولا تنافر بل تعاضد وتضافر.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى بأن تكون هذه الشريعة هي الخاتمة، فجاءت شمولية في المنهج والنظام تفي بجميع مصالح البشرية في كل زمان ومكان، صالحة حتى تقوم الساعة، يجد فيها كل فرد حاجاته وكذلك الأسرة والمجتمع، فهي ملائمة للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها.

والذي خلقهم هو أعلم بهم فشرع لهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (٢) سبحانه وهو القائل {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (٣)، فمن أراد بعد هذا من البشر أن يضع شرعًا فليخلق له خلقًا جديدًا يلائم تشريعه، وأنى له هذا، وأين يذهب أصحاب القوانين الوضعية الذين تركوا الشريعة الخالدة وما يدريهم أن سعادتهم فيها، فأغواهم الشيطان فزعموا أن التشريعات الوضعية هي المناسبة لروح العصر فطرحوا أحكام الشريعة ونور الله وهداه، اللهمّ اهدِنا إلى طريق الحق وإلى صراط مستقيم، وأعد لهذه الأمة أمر رشدها وعزها، يا عزيز، إنك على كل شيء قدير.

[النسخ بن مثبتيه ومنكريه]

اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه سمعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني (٤)، فإنه منع وقوع النسخ سمعًا وجوز وقوعه


(١) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) سورة الملك - آية: ١٤.
(٣) سورة الأعراف - آية: ٥٤.
(٤) هو: محمَّد بن بحر الأصفهاني، من علماء المعتزلة، كان رجلًا معروفًا بالعلم، بليغًا كاتبًا مترسلًا متكلمًا جدليًا، ولي القضاء في أيام. الخليفة المقتدر بالله العباسي في بلاد فارس وأصبهان حتى دخل بنو بويه فعزل، توفي سنة ٣٢٢ هـ.
انظر ترجمته في: الوافي ٢/ ٢٤٤، ولسان الميزان ٥/ ٨٩ وطبقات المفسرين ٢/ ١٠٦ للداودي، وفي معجم الأدباء ٨/ ٣٥ وفي بغية الوعاة ١/ ٥٩، وفي الأعلام ٦/ ٥٠.
وقال الشيرازي في التّبصرة ص ٢٥١، اسمه عمرو بن يحيى، وتبعه القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٣٠٦، وفي المسودة ص ١٩٥، قال: اسمه يحيى بن عمر بن يحيى، وفي نهاية السول للاسنوي ٢/ ١٦٤، سماه الجاحظ.

<<  <   >  >>