للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لكن المفهوم من الحديث تعظيم أمر اللعنة؛ بتشبيهها بالقتل؛ للزجر عنها، وإن أريد الاستواء في المقدار، فقد تبين امتناعه؛ بدليل التفاوت في العقاب والثواب.

واعلم أن اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد، الذي هو فعل الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وهو الذي تقع به السُّبَّة، وقد يطلق على فعل اللاعن، وهو طلبه لإبعاد الله -عَزَّ وَجَلَّ- للشخص المسلم بقوله: لعنه الله -مثلًا-، أو بوصفه له بالإبعاد، بقوله: لعنه الله -مثلًا-، أو فلان ملعون.

وكل هذا ليس يقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة، فتكون تسببًا إلى قطع التصرف، فيكون نظير التسبب إلى القتل، فمباشرة القتل بالسبب الغامض؛ كالحز وغيره من مقدمات القتل، مفضٍ إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيًا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا، لا يستوي اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، أو زاد عليه، وليس كذلك، فافترقا.

وقد يقتضي اللعن له قصده إخراجه عن جماعة المسلمين؛ فإن الجماعة رحمة؛ كما لو قتله، فإن قصدَه إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، وذلك يقتضي قطعَ منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته؛ فإن ذلك لا يحصل إلَّا بها، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بها، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، لكن الممكن في تقرير الحديث ظاهرًا واستوائهما في الإثم: أن مجرد أذاه باللعنة مع قصد إجابة الدعاء فيه؛ بموافقة ساعة الإجابة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَدْعُوا على أنفسِكم، ولا تَدْعوا على أموالِكم، ولا تَدْعوا على أولادِكْم، لا توافِقوا ساعة" (١) الحديث هو المساوي للقتل أو أعظم منه؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله


(١) رواه مسلم (٣٠٠٩)، (٤/ ٢٣٠٤)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطَّويل، وقصة أبي اليسر، عن جابر بن عبد الله -رَضِيَ الله عَنْهُ-.

<<  <  ج: ص:  >  >>