للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

موضعها؛ لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر، فالحراسة ممكنة معه بخلاف السجود، وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع -أيضًا-، والمراد بالسجود الذي سجده النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسجد معه الصف الذي يليه، هو السجدتان جميعًا.

ثم الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإمام يسجد معه في الركعة الأولى، ويحرس الصف الثاني فيهما، ونص الشافعي على خلافه: وهو أن الصف الأول الذي يليه يحرس في الركعة الأولى، فقال بعض أصحابه: لعله سها، ولم يبلغه الحديث، وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل عليه الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي، وبعضهم قال بذلك بناء على المشهور عن الشافعي: أن الحديث إذا صح يؤخذ به ويترك قوله، أما الخراسانيون فإن بعضهم تبع نص الشافعي؛ كالغزالي في "الوسيط" (١)،

ومنهم من ادعى أن في الحديث رواية لذلك، ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن الصف الأول يكون جُنة لمن خلفه، ويكون ساترًا له عن أعين المشركين، وبأنه أقربُ إلى الحراسة، وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية، والترجيح إنما يكون بعدها.

ثم الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو حرست طائفة واحدة في الركعة معًا، ففي صحة صلاتهم خلاف للشافعي، والله أعلم.

ولا شك أن في بعض طرق حديث جابر هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بكل طائفة ركعتين، وهي صحيحة في "صحيح مسلم"، وغيره، ورواها أبو داود في "سننه" من رواية أبي بكرة - رضي الله عنه - (٢)، فكانت الطائفة الثانية مفترضين خلف


(١) كتاب: "الوسيط في الفروع" لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي، المتوفى سنة (٥٠٥ هـ)، وهو أحد الكتب الخمسة المتداولة بين الشافعية، وله عدة شروح. انظر: "كشف الظنون" (٢/ ٢٠٠٨).
(٢) رواه مسلم (٨٤٣)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف، عن جابر بن =

<<  <  ج: ص:  >  >>