للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال عند تفسير قوله تعالى {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} (١):

وهذا كله تغليظ على المرائين والمتصنعين ولا خلاف أعلمه بين أرباب القلوب وأئمة التصوف أن المتصنع عندهم بهذه الأمور ممقوت وأما من غلبه الحال لضعفه وقوي الوارد عليه حتى أذهبه عن حسه فهو إن شاء الله من السادة الأخيار يطول تعدادهم كابن وهب، وأحمد بن معتب المالكيين ذكرهما عياض في مداركه وأنهما ماتا من ذلك، وكذلك مالك بن دينار مات من ذلك ذكره عبد الحق في العاقبة ومن كلام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في قواعده الصغرى قال: وقد يصيح بعضهم لغلبة الحال عليه، وإلجائها إياه إلى الصياح، وهو في هذا معذور، ومن صاح لغير ذلك فمتصنع ليس من القوم في شيء، وكذلك من أظهر شيئا من الأحوال رياء أو تسميعا فإنه ملحق بالفجار دون الأبرار. (٢)

ونعلق على ماذكره هنا بأن أولى الناس بالخشوع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم صحابته الكرام وعلماء الأمة الصدور من التابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة ومن في منزلتهم ولم يصدر ذلك عن أحد منهم مما يدلل على كون ذلك مدخلا من مداخل الشيطان وتلبيسا من تلبيساته كما أفاض في ذكر جمل من ذلك ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس وأفرده الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل في رسالة مستقلة.

ومن صوفياته قوله تحت قوله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض} (٣) وأخذ أبو سليمان الداراني قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف فرآه لما أدخل إصبعه في أذن القدح أقام كذلك مفكرًا حتى طلع الفجر، فقال له: ماهذا ياأبا سليمان؟ فقال: إني لما طرحت إصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله سبحانه {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم} (٤) فتفكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت.


(١) الزمر: ٢٢.
(٢) الجواهر٤/ ٥٥.
(٣) آل عمران: ١٩١، الجواهر ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٤) غافر: ٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>