للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فيه متى أراد، فقال: {مَا خَلْقُكُمْ} قال مقاتل وقتادة: إن كفار قريش قالوا: إن الله خلقنا أطوارًا: نطفةً، علقةً، مضغةً لحمًا، فكيف يبعثنا خلقًا جديدًا في ساعة واحدة؟ فأنزل هذه الآية، وقال: ما خلقكم على الله يا أهل مكة إذ خلقكم {وَلَا بَعْثُكُمْ}؛ أي: إحياؤكم وإخراجكم من القبور إذ يبعثكم {إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}؛ أي: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها في سهولة الحصول، فالكل هين عليه، إذ لا يشغله شأن عن شأن؛ لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته وقدرته، قلوا أو كثروا، ويقول كن فيكون، كما قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) وقال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)}. وقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)} ومثاله في الدنيا: أن السلطان يضرب النقارة عند الرحيل فيتهيأ الكل في ساعةٍ واحدةٍ.

{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {سَمِيعٌ} يسمع كل مسموع فيدخل فيه ما قالوا في أمر الخلق والبعث، مما يتعلق بالإنكار والاستبعاد، {بَصِيرٌ} يبصر كل مبصر، لا يشغله علم بعضها عن بعض، فكذا الخلق والبعث، وقال بعضهم: بصير بأحوال الأحياء والأموات،

٢٩ - والخطاب بقوله: {أَلَمْ تَرَ} لكل أحد يصلح للخطاب، أو للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: ألم تعلم يا من يصلح للخطاب علمًا قويًا جاريًا مجرى الرؤية. {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يُولِجُ} ويدخل بقدرته وحكمته {اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}؛ أي: يدخل الليل في النهار، ويضيفه إليه بأن يزيد من ساعات الليل في ساعات النهار صيفًا بحسب مطالع الشمس ومغاربها، يعني: يصير النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات.

قال عبد الله بن سلام (١): أخبرني يا محمد عن الليل: لم سمي ليلًا؟ قال: لأنه منال الرجال من النساء، جعله الله ألفةً ومسكنًا ولباسًا" قال: صدقت يا محمد، ولم سمي النهار نهارًا؟ قال: "لأنه محل طلب الخلق لمعايشهم، ووقت سعيهم واكتسابهم" قال: صدقت.


(١) روح البيان.