للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لمحبة الحمد مع أنه هو الحامد لنفسه في الحقيقة.

وفي "الفتوحات المكية": إنما شرع السلام من المؤمنين؛ لأن مقام الأنبياء يعطي الاعتراض عليهم لأمرهم الناس بما يخالف أهواءهم، فكان المؤمن يقول: يا رسول الله، أنت في أمان من اعتراض عليك في نفسي، وكذلك السلام على عباد الله الصالحين، فإنهم كذلك يأمرون الناس بما يخالف أهواءهم بحكم الإرث للأنبياء، وأما تسليمنا على أنفسنا، فإن فينا ما يقتضي الاعتراض واللوم منا علينا، فنلزم نفوسنا التسليم فيه لنا, ولا نعترض كما يقول الإنسان: قلت لنفسي كذا، فقالت: لا. ولم نقف على رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تشهده الذي كان يقوله في الصلاة، هل كان يقول مثلنا: "السلام عليك أيها النبي - صلى الله عليه وسلم - "، أو كان يقول: السلام عليَّ، أو كان لا يقول شيئًا من ذلك، ويكتفي بقوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإن كان يقول مثل ما أمرنا .. نقول في ذلك وجهان:

أحدهما: أن يكون المسلَّم عليه هو الحق سبحانه، وهو مترجم عنه، كما جاء في سمع الله لمن حمده.

والوجه الثاني: أنه كان يقام في صلاته في مقام الملائكة مثلًا، ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه أيضًا من كونه نبيًا، فيقول: "السلام عليك أيها النبي" فعل الأجنبي، فكأنه جرد من نفسه شخصًا آخر. انتهى كلام "الفتوحات".

وإن قيل: ظاهر (١) هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل: صليت على محمد، وسلمت على محمد، أو الصلاة عليه، والسلام عليه فإن الله سبحانه أمر بإيقاع الصلاة والسلام عليه منا، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا، فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول: اللهم صل عليه وسلم عليه، بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن يصلي عليه ويُسلِّم عليه.

أجيب عنه: بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانت شعارًا عظيمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتشريفًا وتكريمًا له .. وكلنا ذلك إلى الله عز وجل، وأرجعناه إليه، وهذا الجواب كما مر آنفًا ضعيف جدًا، وأحسن ما يجاب به أن يقال: إن الصلاة والتسليم


(١) الشوكاني.