للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

اتصف بصفاتهم؛ أي: بأمثالهم ونظرائهم وأشباههم {مِنْ قَبْلُ}؛ أي: من قبلهم من كفار الأمم الماضية.

وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ} وتهمة مما وجب الإيمان واليقين به، كالتوحيد والبعث ونزول العذاب على تقدير الإصرار، تعليل لما قبله. {مُرِيبٍ} صفة لشك؛ أي: موقع لهم ذلك الشك في الريبة والتهمة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، (١) من: أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو ذي ريبة من أراب الرجل إذا صار ذا ريبة، ودخل فيها، وكلاهما مجاز في الإسناد، إلا أن بينهما فرقًا وهو أن المريب من الأول منقول ممن يصلح أن يكون مريبًا من الأشخاص والأعيان إلى المعنى، وهو الشك، أي: يكون صفة من أوقع في الريب حقيقة، وقد جعل في الآية صفة نفس الشك الذي هو معنى من المعاني، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك؛ أي: إنهم كانوا في شكّ ذي شكّ، كما تقول: شعر شاعر، وعجب عجيب، وإنما الشاعر في الحقيقة صاحب الشعر، وإنما أسند الشاعرية إلى الشعر للمبالغة، وإذا كان حال الكفرة الشك في الدنيا .. فلا ينفعهم اليقين في الآخرة؛ لأنه حاصل بعد معاينة العذاب، والخروج من موطن التكليف، وقد ذمّوا في هذه الآيات بالشكّ والكفر والرجم بالغيب.

والمعنى (٢): أي وحجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، كما قال: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ثم بين أن هذه سنة الله في أمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلهم، فقال: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ}؛ أي: فعلنا بهم كما فعلنا بالأمم الماضية التي كذّبت رسلها، فتمنوا حين رأوا بأس الله أن لو آمنوا, ولكن لم يقبل منهم، ثم علّل عدم قبول إيمانهم حينئذ بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ}؛ أي: لأنهم كانوا في الدار الأولى شاكين فيما أخبرت به الرسل من البعث والجزاء، وقد تغلغل الشكّ في قلوبهم حين صاروا لا يطمئنّون إلى شيء مما جاءوا به، وفي (٣)


(١) روح البيان.
(٢) المراغي.
(٣) النسفي.