للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولا ينزل وباله. {إِلَّا بِأَهْلِهِ} وهو الماكر، وقد حاق بهم يوم بدر؛ أي: ولا يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم، وقُرىء (١): {يَحِيقُ} بضم الياء {الْمَكْرُ السَّيِّئُ} بالنصب؛ أي: ولا يحيق الله المكر السيىء إلا بأهله، روي الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمكروا ولا تعينوا ماكرًا، فإن الله يقول: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، ولا تبغوا, ولا تعينوا باغيًا، فإن الله سبحانه يقول {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}، ولا تنكثوا, ولا تعينوا ناكثًا، فإن الله يقول: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} ".

وقد وقع مثل هذا في كلام العرب، فقد قالوا: من حفر لأخيه جبًا وقع فيه منكبًا والعبرة في الأمور بالعواقب. {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

قال أبو عبد الله الرازي: فإن قلت (٢): كثيرًا ما نرى الماكر يفيده مكره، ويغلب خصمه بالمكر، والآية تدل على عدم ذلك؟

فالجواب: من وجوه:

أحدها: أن المكر في الآية هو المكر بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من العزم على القتل والإخراج، ولا يحيق إلا بهم؛ حيث قتلوا ببدر.

وثانيها: أنه عام، وهو الأصح، فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المكر، وقال: "لا تمكروا, ولا تعينوا ماكرًا، فإنه تعالى يقول: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} فعلى هذا يكون ذلك الممكور به أهلًا، فلا يريد نقضًا.

وثالثها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلًا في الظاهر، ففي الحقيقة هو الفائز، والماكر هو الهالك. انتهى.

ثم هدّدهم بأن يحل بهم مثل ما أحلّ بمن قبلهم من العذاب فقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ} النظر هنا بمعنى الانتظار، والاستفهام فيه إنكاريّ؛ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون، {إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ}؛ أي: إلا عادة الله سبحانه في الأولين؛ أي: في الأمم المتقدّمة بتعذيب مكذبيهم وماكريهم؛ بأن ينزل بهؤلاء العذاب، كما نزل بأولئك. والفاء في قوله: {فَلَنْ} لتعليل (٣) ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من


(١) البحر المحيط.
(٢) الفخر الرازي.
(٣) روح البيان.