للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يحسن أن يسجد الفاضل للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر، ظن أن ذلك شرف له، ولم يعلم أن الشرف يكتسب بطاعة الله تعالى، ولقد أخطأ اللعين، حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وزل عما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وما من جهة الصورة، كما نبه عليه قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}. وما من جهة الغاية، وهو ملاك الأمر، كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ}، ولذلك أمر الملائكة بسجوده، حين ظهر لهم، أنه أعلم منهم، بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره.

ومراده: أن النار أقرب إلى الأشرف الذي هو الفلك. وهي خليفة الشمس والقمر في الإضاءة والحرارة، وهي ألطف من الأرض، وهي مشرقة، وهي شبيه الروح، وأشرف الأعضاء القلب والروح، وهما على طبيعة النار، وكل جسم أشبه النار، كالذهب والياقوت فهو أشرف، والشمس أشرف الأجسام، وهي تشبه النار في الطبع والصورة، وأيضًا لم يتم المزاج إلا بالحرارة، ومآل كل هذه إلى أن أصله خير فهو خير. وهذا ممنوع، ولذا قال من قال:

أَتَفْخَرَ بِاتِّصَالِكَ مِنْ عَلِيٍّ ... وَأَصْلُ الْبَوْلَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحُ

وَلَيْسَ بِنَافِعٍ نَسَبٌ زَكِيٌّ ... تُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ الْقِبَاحُ

فيجوز أن يكون أصل أحد الشيئين أفضل، وينضم إليه ما يقتضي مرجوحيته، كما في إبليس، فإنه قد انضم إلى أصله عوارض رديئة، كالكبر والحسد والعجب والعصيان، فاقتضت اللعنة عليه، وأمر آدم عليه السلام بالعكس.

وقال في «آكام المرجان»: اعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها إبليس، إنما ذكرها على سبيل التعنت، وإلا فامتناعه عن السجود لآدم، إنما كان عن كبر وكفر، ومجرد إباء وحسد، ومع ذلك فما أبداه من الشبهة فهو داحض؛ أي: باطل؛ لأنه رتب على ذلك، أنه خير من آدم، لكونه خلق من نار، وآدم خلق من طين، ورتب على هذا، أنه لا يحسن منه الخضوع، لمن هو دونه، وهذا باطل من وجوه: