للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والمعنى: أي إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي بعضكم بعضًا ليستغيث به من شدّة الهول، أو حين ينادي أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قالوا: نعم، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله، قالوا: إن الله حرّمهما على الكافرين يوم تولّون مدبرين هربًا من زفير النار وشهيقها، فلا يُجْديكم ذلك شيئًا، ولا تجدون من يعصمكم من العذاب فتردّون إليه، ونالكم منه ما قدّر لكم وكتب عليكم.

ولما يئس الرجال المؤمن من إيمانهم .. نبّه إلى شدّة ضلالتهم وعظيم جهالتهم، فقال: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ}؛ أي: ومن يخذله الله ولا يلهمه رشده {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى طريق النجاة، ويوفّقه إلى الخلاص، وفي هذا إيماء إلى أنه يئس من قبولهم نصحه.

وفي الآيات (١): إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إذا شاء بكمال قدرته إظهارًا لفضله ومنته، يخرج الحيّ من الميّت، كما أخرج من آل فرعون مؤمنًا حيًّا قلبه بالإيمان, من بين كفارٍ أموات قلوبهم بالكفر، ليتحقق قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} وإذا شاء إظهارًا لعزته وجبروته يعمي ويصمّ الملوك، والعقلاء مثل: فرعون وقومه، لئلا يبصروا آيات الله الظاهرة، ولا يسمعوا الحجج الباهرة، مثل: ما ناصحهم با مؤمن آل فرعون ليتحقّق قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} قوله: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ...} الآية. كما في "التأويلات النجمية".

وأسند الإضلال إلى الله تعالى؛ لأنه خالق الضلالة، وإنما الشيطان ونحوه من الوسائط، فالجاهل يرى القلم مسخّرًا للكاتب، والعارف أنه مسخر في يده لله تعالى؛ لأنه خالق الكاتب والقلم وكذا فعل الكاتب.

وفي قوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} إشارة (٢) إلى أنّ التوفيق والاختيار للواحد القهار، فلو كان لآدم .. لاختار قابيل، ولو كان لنوح .. لاختار كنعان، ولو كان لإبراهيم .. لاختار آزر، ولو كان لموسى .. لاختار فرعون، ولو كان لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ..


(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.