للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

٣٧ - وهذه حجة داحضة، فإن المعاد يوم القيامة، بعد إنقضاء دار الدنيا، حين يعيد الله تعالى العالمين خلقًا جديدًا، ومن ثم لم يتعرض الكتاب الكريم لرد ما قالوا، بل قال لهم متوعدًا منذرًا بأسه الذي لا يرد {أَهُمْ}؛ أي: أكفار قريش {خَيْر} في القوة، والشوكة اللتين يدفع بهما أسباب الهلاك، لا في الدين حتى يردانه {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه، وغلب أهلها وقهرهم خير، لا خيرية في واحد من الفريقين، وفيه وعيد شديد والمراد بتبع هنا: واحد من ملوك اليمن، معروف عند قريش، وخصه بالذكر لقرب الدار، وسيأتي بقية الكلام فيه، وقيل: المراد بتبع: جميع ملوكه لا واحد بعينه، وقوله: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}؛ أي: من قبل قوم تبع، معطوف على {قَوْمُ تُبَّعٍ}، والمراد بهم: عاد، وثمود، وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأس شديد.

والاستفهام (١) لتقرير أن أولئك أقوى من هؤلاء المشركين، ومع ذلك {أَهْلَكْنَاهُمْ} لما كذبوا رسلنا، وهذا كلام مستأنف لبيان عاقبة أمرهم؛ أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم، وجملة قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}؛ أي: إن قوم تبع ومن قبلهم كانوا كاملين في الإجرام والآثام، مستحقين للهلاك، تعليل لإهلاكهم، ليعلم أن أولئك، حيث أهلكوا بسبب إجرامهم، مع ما كانوا في غاية القوة والشدة، فلأن يهلك هؤلاء، وهم شركاء لهم في الإجرام، وأضعف منهم في الشدة والقوة أولى.

ومعنى الآية (٢): أي إن نظراءهم المشركين، المنكرين للبعث، كقوم تبع، أهلكهم الله تعالى، وخرب ديارهم، وشردهم في البلاد شذر مذر، وقد كانوا أقوى منهم جندًا، وأكثر عددًا، وكانت لهم دولة وصولة، وهؤلاء ليسوا في شيء من ذلك، وكذلك فعل بمن قبلهم كعاد، وثمود، إذ كانوا في خسران مبين بكفرهم، وإنكارهم للبعث والنشور، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)}.


(١) روح البيان.
(٢) المراغي.