للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

حقوق العباد بإسلامه، وكذا لا تغفر عن الحربي إذا كان الحقّ ماليًّا، قالوا: ظلامة الكافر وخصومة الدابة أشدُّ؛ لأنّ المسلم إمّا أن يحمل عليه ذنب خصمه بقدر حقّه، أو يأخذ من حسناته، والكافر لا يأخذ من الحسنات، ولا ذنب للدابّة، ولا يؤهل لأخذ الحسنات، فتعيَّن العقاب. وقيل: {من}: زائدة؛ لأنّ الإِسلام يجب ما قبله، فلا يبقى معه تبعة، وقيل: إنّ {من} (١) لابتداء الغاية.

والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب، ثمّ ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى.

{وَيُجِرْكُمْ}؛ أي: ينجيكم ويؤمنكم {مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}: شديد معدٍّ للكفرة، وهو عذاب النار، قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم نحو: سبعين رجلًا من الجنّ، فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوافوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم.

والمعنى: أي (٢) يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، وصدِّقوه فيما جاء به من أمر الله ونهيه، يغفر لكم بعض ذنوبكم، ويسترها لكم، ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته لكم عليها، وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم إلى ربّكم، وأخلصتم له العبادة، وفي الآية إيماء إلى أنّ حكم الجنّ حكم الإنس في الثواب والعقاب، والتعبّد بالأوامر والنواهي، وقال الحسن (٣): ليس لمؤمني الجنّ ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة، والأوّل أولى وبه قال مالك والشافعيّ، وابن أبي ليلى، فقد قال الله تعالى في مخاطبة الجنّ والإنس: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)}، فامتَّن سبحانه على الثقلين، بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولا ينافيه الاقتصار هاهنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا: أنّ الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فكيف لا


(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.
(٣) الشوكاني.