للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

على تقدير اتباعنا له. وهو منفرد ونحن أمة، وأيضًا ليس بملك لما كان في اعتقاد الكفرة من التنافي بين الرسالة والبشرية {لَفِي ضَلَالٍ} وخطأ عن الصواب والحق {وَسُعُرٍ}؛ أي: جنون. فإن ذلك بمعزل عن مقتضى العقل.

والاستفهام في قوله: {أَبَشَرًا} للإنكار؛ أي: كيف نتبع بشرًا كائنًا من جنسنا منفردًا وحده، لا متابع له على ما يدعو إليه. وقيل: كان يقول لهم: إن لم تتبعوني .. كنتم في ضلال عن الحق وسعر؛ أي: نيران، جمع سعير. فعكسوا عليه لغلبة عتوّهم، فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول، وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرًا منهم واحدًا؟

قلت: قالوا: {أَبَشَرًا} إنكارًا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة. وقالوا: {مِنَّا} لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى. وقالوا: {وَاحِدًا} إنكارًا لأن تتبع الأمة رجلًا واحدًا. وأرادوا من أبنائهم ليس بأشرفهم، ولا أفضلهم. ويدل عليه قوله: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا} انتهى.

وقرأ الجمهور (١): بنصب {أَبَشَرًا} على الاشتغال. وقرأ أبو السمال، والداني، وأبو الأشهب، وابن السميقع بالرفع على الابتداء. و {واحدٌ} صفته، و {نتبعه} خبره. وروي عن أبي السمال: أنه قرأ برفع {بشرا}، ونصب {واحدًا} على الحال.

والمعنى: أي (٢) أنتبع واحدًا من الدهماء، لا من علية القوم، ولا من أشرافهم، وليس له ميزة عن امرىء منا بعلم ظاهر، ولا ثروة وغنى تجعله يدعي أن يكون الزعيم لنا إنا لو اتبعناه نكون قد ضللنا الصراط السوي، وجانبنا الصواب، وصرنا لا محالة إلى الجنون الذي لا يرضى به عاقل لنفسه.

٢٥ - ثم بالغوا في العتو والإنكار، وتعجبوا من أمره، ونسبوه إلى الاختلاق والكذب, فقالوا: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ}؛ أي: أأنزل الكتاب، والوحي {عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا} وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة، والاستفهام فيه للإنكار و {مِنْ بَيْنِنَا} حال من ضمير {عَلَيْهِ}؛ أي: أخص بالرسالة منفردًا من بين آل ثمود, والحال أنَّ فيهم من


(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.