للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وهو مبال في مبال، وفي الحديث: "ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب قام في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".

والخلاصة (١): أي اعلموا أيها الناس أن متاع الدنيا ما هو إلا لعب ولهو تتفكهون به، وزينة تتزينون بها، وبها يفخر بعضكم على بعض، وتتابهون فيها بكثرة الأموال والأولاد.

ثم ضرب مثلًا يبين أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة، فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ}؛ أي: كمثل مطر {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ}؛ أي: الزراع {نَبَاتُهُ}؛ أي: النبات الحاصل بذلك المطر. ومحل (٢) الكاف النصب على الحالية من الضمير في {لعب}؛ لأنَّ فيه معنى الوصف؛ أي: تثبت لها هذه الأوصاف حال كونها مشبهة غيثًا، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كمثل أو خبر بعد خبر للحياة الدنيا. والغيث؛ مطر محتاج إليه، يغيث الناس من الجدب عند قلة المياه، فهو مخصوص بالمطر النافع، بخلاف المطر، فإنه عام. والمراد بالكفار هنا: الحراث، والعرب تقول للزارع: كافر لأنه يكفر، أي: يستر بذره بتراب الأرض، والكفر لغة: الستر، كما سيأتي. وقيل (٣): المراد بهم. الكافرون بالله؛ لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجبًا .. انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحسن به فيستغرق فيه إعجابًا، وقد منع في بعض المواضع عن إظهار الزينة صونًا لقلوب الضعفاء، كما في الأعراس ونحوها.

أي: صفة الدنيا في إعجابها كصفة مطر أعجب الزراع النبات الحاصل بذلك {ثُمَّ يَهِيجُ}؛ أي: يجف ذلك النبات وييبس بعد خضرته ونضارته بآفة سماوية أو أرضية. {فَتَرَاهُ}؛ أي: فترى أيها المخاطب ذلك النبات بعدما رأيته ناضرًا {مُصْفَرًّا}؛ أي: متغيرًا عما كان عليه من الخضرة والرونق إلى لون الصفرة والذبول. وإنما لم يقل: فيصفر إيذانًا بأن اصفراره مقارن لجفافه، وإنما المرتب عليه رؤيته كذلك، وقرىء {مُصْفَارًّا}. {ثُمَّ يَكُونُ} ذلك النبات المصفر {حُطَامًا}؛


(١) المراغي.
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.