للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الحديث: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد .. فاشهدوا له بالإيمان"، انتهى.

وقرأ الجحدري وحماد بن أبي سلمة، عن ابن كثير: {مسجد الله} بالإفراد وقرأ السبعة وجماعة بالجمع، ذكره في "البحر"، والظاهر: أن الجمع هنا حقيقة؛ لأن المراد جميع المؤمنين العامرين لجميع مساجد أقطار الأرض؛ أي: إنما يصح أن يعمر المساجد عمارة يعتد بها {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} تعالى؛ لأن المساجد موضعٌ يعبدون الله فيه، فمن لم يكن مؤمنًا بالله .. لا يبني موضعًا يعبد الله فيه {و} آمن بـ {اليوم الآخر}؛ لأن الاشتغال بعبادة الله لا تفيد إلا في القيامة، فمن أنكر القيامة، لا يعبد الله، ومن لا يعبد الله، لا يبني بناءً لعبادة الله تعالى.

ولم (١) يذكر الإيمان بالرسول؛ لأن الإيمان باليوم الآخر إنما هو متلقف من أخبار الرسول، فتضمن الإيمان بالرسول، أو لم يذكر لما علم وشهر من أن الإيمان باللهِ تعالى قرينته الإيمان بالرسول لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما، مقترنين مزدوجين، كأنهما شيءٌ واحدٌ لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فانطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} بأركانها وآدابها، فإن المقصود الأعظم من بناء المساجد: إقامة الصلوات {وَآتَى الزَّكَاةَ}؛ أي: أدى الزكاة المفروضة لمستحقيها، وإنما اعتبر (٢) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد؛ لأن الإنسان إذا كان مقيمًا للصلاة، فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور، وإذا كان مؤدِّيًا للزكاة .. فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين، لطلب أخذ الزكاة، فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور، ولأنَّ (٣) الإنسان لا يشتغل بعمارة المسجد إلا إذا كان مقيمًا للصلاة، مؤدِّيًا للزكاة؛ لأن الصلاة والزكاة واجبان، وعمارة المسجد نافلةٌ، ولا يشتغل الإنسان بالنافلة، إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة عليه {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}؛ أي: ولم يخف في باب الدين غير الله تعالى، ولم يترك أمر الله لخشية


(١) البحر المحيط.
(٢) المراح.
(٣) الخازن.