للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بين المسلمين بادئ ذي بدء فلم يستطيعوا مخالفتهم ولا السعي فيما بينهم بالأراجيف وقالة السوء التي يقبح أثرها وتسوء عاقبتها.

والذي تثبته هذه الآية: أن خروجهم شرٌّ لا خير فيه، وهو ضعف لا قوةٌ، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أنهم لا يخرجون إذا لم يأذن لهم؛ فهذا من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الله وهو لم يعلمه قبل نزول هذه الآيات.

فقد كان من حكمة الله تعالى في تربية رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتكميله أن يبين له بعض الحقائق بعد اجتهاده فيها، لتكون أوقع في نفسه ونفس أتباعه، فيحرصون على العمل بها ولا يحكموا أهواءهم فيها، وكذلك كان السلف الصالح يسيرون على نهجه ويهتدون بهديه.

٤٨ - وعزتي وجلالي {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ} أي: أي لقد ابتغى وطلب هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين وتفريق شملهم؛ أي: لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنكم {مِن قَبْلُ}؛ أي: من قبل هذه الغزوة، وهي غزوة تبوك، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين يوم أحد، حين انصرف بأصحابه عنكم، حين اعتزل بثلث الجيش، في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحدٍ، وطفق يقول للناس: أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا، وكان من رأيه عدم الخروج إلى أحد، فرجع بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة فيرجعون، ولكن عصمهما الله تعالى من الفتنة.

{وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ}؛ أي: ودبروا لك المكايد والحيل في إبطال دينك ورد أمرك، فكان لهم خوض مع اليهود ومع المشركين في كل ما فعلا من عداوته - صلى الله عليه وسلم - وقتال المؤمنين، وقرأ مسلمة من محارب (١): {وقلَبوا} بتخفيف اللام.

وقوله: {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ} غاية للمحذوف تقديره: واستمروا على تقليب الأمور وتدبير المكايد لك وإثارة الفتنة بين المسلمين وتنفير الناس عن قبول


(١) البحر المحيط.