للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ونبيذ يتخذ عن الخمر اهـ. فإن قلت (١): الخمر محرمة فكيف ذكرها الله عز وجل في معرض الإنعام والامتنان؟

قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إنَّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وهذا الجواب أولى ما قيل في هذا المقام.

أي: وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون وتجعلون مما ذكر سكرًا وخمرًا، {و} تتخذون من ثمارها {رزقًا حسنًا}؛ أي: طيبًا كالتمر والزبيب والدبس والخل.

قال بعضهم (٢): انظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة الناس .. أخبر عن نفسه بقوله: {نُسْقِيكُمْ}، ولما كان السكر والرزق الحسن .. يحتاج إلى معالجة من الناس قال: {تَتَّخِذُونَ}، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق، {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإسقاء والإطعام {لَآيَةً} باهرة على قدرته تعالى {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}؛ أي: يستعملون عقولهم في الآيات بالنظر والتأمل، فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى، ولما كان مفتتح الكلام: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} .. ناسب الختم بقوله: {يَعْقِلُونَ} لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول، كما قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} ذكره في "البحر".

٦٨ - ولمَّا ذكر (٣) الله سبحانه وتعالى دلائل قدرته وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته، من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب .. ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ضعيفة وهي النحلة، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ} يا محمَّد {إِلَى النَّحْلِ}؛ أي: إلى ذباب العسل وزنبوره؛ أي: ألهمها وقذف في قلبها


(١) الخازن.
(٢) روح البيان.
(٣) الخازن.