للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لقد نصح وقال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى، ويرجع إليهم {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ}؛ أي: وقعتم في الفتنة بسبب العجل، وابتليتم به، وضللتم عن طريق الحق لأجله، قيل: ومعنى القصر المستفاد من {إِنَّمَا}: هو أن العجل صار سببًا لفتنتهم، لا لرشادهم، وليس معناه: أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره، والمعنى (١): أي: ولقد قال هارون لعبدة العجل من بني إسرائيل، من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم إنما اختبر الله إيمانكم، ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فيه الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم، من المريض الشاك. {وَإِنَّ رَبَّكُمُ} وخالقكم وخالق كل شيء هو {الرَّحْمَنُ} الذي عدة رحمته جميع مخلوقاته، فآتاهم ما فيه كما لهم الجسمي والروحي، وما به سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وفي ذكر الربوبية والرحمة استمالة لهم إلى الحق، إثر زجرهم عن الباطل، وتذكير لهم بإنجائهم من فرعون وعذابه، وتنبيه لهم إلى أنهم متى تابوا .. قُبلت توبتهم.

{فَاتَّبِعُونِي} على ديني في عبادة الله سبحانه وتعالى، ولا تتبعوا السامري في عبادة العجل {وَأَطِيعُوا أَمْرِي} في ترك عبادة العجل.

اعلم (٢): أن هارون - عليه السلام - سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه، لأنه زجرهم أولًا عن الباطل بقوله: {إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله: {فَاتَّبِعُونِي} ثم دعاهم إلى شرائع بقوله: {وَأَطِيعُوا أَمْرِي} فهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق، وهي إزالة الشبهات، ثم معرفة الله، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، وإنما قال: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا .. قبل الله توبتهم؛ لأنه هو التواب الرحيم، فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود، وفي هذا الوعظ (٣) شفقة على نفسه وعلى الخلق، أما على نفسه: فإنه كان مأمورًا من عند الله بالأمر


(١) المراغي.
(٢) الخازن.
(٣) روح البيان.