للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وتصوير القبيح منها بصورته الحسن، وأصل التركيب: سولت لى نفسي تسويلًا كائنًا مثل ذلك التسويل، على أن يكون مثل صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، وذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد، فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكاف مقحمةً لإفادة تأكيد ما أفاده اسم الإشارة، من الفخامة، فصار مصدرًا مؤكدًا، لا صفةً؛ أي: ذلك التزيين البديع، زينت لي نفسي ما فعلته من القرض والنبذ، لا تزيينًا أدنى، ولذلك فعلته.

وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر عنه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء وغوائها ,لا بشيءٍ آخر من البرهان العقلي، والإلهام الإلهي، أو المعنى؛ أي: كما زينت لى نفسي أولًا اتباع سنتك، واقتفاء أثرك، زينت لي أيضًا ترك ذلك بمحض الهوى، لا لشيء آخر من برهان عقلي، أو إلهام إلهي، ولما سمع موسى من السامري ما سمع .. بيَّن له ما سينزل به من الجزاء في الدنيا والآخرة، وذكر له حال إلهه، أما جزاؤه هو في الدنيا ..

٩٧ - فما حكاه سبحانه عنه {قَالَ} له موسى - عليه السلام - مكافئًا له {فَاذْهَبْ} يا سامري طريدًا بين الناس {فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ}؛ أي: ثابت لك مدة حياتك عقوبة ما فعلت {أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ}؛ أي: قولك: لا مساس؛ أي: لا يمسني أحد، ولا أمس أحدًا خوفًا من أن تمسكما الحمى؛ أي: فإن قولك: لا مساس ثابت لك في مدة حياتك، لا ينفك عنك، فكان يصيح بأعلى صوته لا مساس؛ أي (١): لا أَمَس ولا أُمَس، إذا مسه أحدهم .. أخذت الحمى الماس والممسوس، فكان إذا أراد أحد أن يمسه .. صاح خوفًا من الحمى وقال: لا مساس، وحرم موسى عليهم ملاقاته، ومواجته، ومكالمته، ومبايعته، وغيرها مما يعتاد جريانه بين الناس من المعاملات، فكان يهيم في البرية وحيدًا طريدًا مع السباع، والوحوش. وفي "التأويلات النجمية" (٢): يشير إلى أن قصدك ونيتك فيما سولت نفسك أن تكون مطاعًا متبوعًا، آلفًا مألوفًا، فجزاؤك في الدنيا أن تكون طريدًا وحيدًا، ممقتًا ممقوتًا متشردًا متنفرًا، تقول لمن رآك: لا تمسني ولا أمسك فنهلك. اهـ. وذلك


(١) المراح.
(٢) روح البيان.