للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

عَامِلُونَ (٦٣) ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه، لما ذكر سماحة هذا الدين، وأنه دين يسر لا عسر، ولا يكلف النفس إلا ما تطيق، وأن ما يعمله المرء فهو محفوظ في كتاب، لا يبخس منه شيئًا، ولا يزاد له فيه شيء .. أردف هذا ببيان أن المشركين في غفلة عن هذا، الذي بيّن في القرآن، ولهم أعمال سوء أخرى، من فنون الكفر والمعاصي، كطعنهم في القرآن، واستهزائهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وايذائهم للمؤمنين، فإذا حل بهم بأسنا يوم القيامة .. جأروا واستغاثوا فقلنا لهم: لا فائدة فيما تعملون، فقد جاءتكم الآيات والنذر، فأعرضتم عنها، واتخذتموها هزوًا، تسمرون بها في البيت الحرام، وقد كان من حقكم أن تتدبروا القرآن؛ لتعلموا أنه الحق من ربكم، وأن مجيء الكتب إلى الرسل سنة قديمة، فكيف تنكرونها؟ وهل رابكم في رسولكم شيء، حتى تمتنعوا من تصديقه، وتقولوا إن به جنةً، وأنتم تعلمون أنه أرجح الناس عقلًا، وأثقبهم رأيًا، لا إن الأمر على غير ما تظنون، إنه قد جاءكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون، لما دسيتم به أنفسكم من الزيغ والإنصراف عن سبيل الحق، ولو أجابكم ربكم إلى ما في أنفسكم من الهوى، وشرع الأمور وفق ذلك .. لفسدت السماوات والأرض لفساد أهوائكم، واختلافها، وأنتم لو تأملتم، لعلمتم أن ما جاءكم به هو فخركم، فكيف تعرضون عنه؟ وهل تظنون أنه يسألكم أجرًا على هدايتكم، وإرشادكم، فما عند الله خير مما عندكم، وهو خير الرازقين. فها هو ذا قد تبين الرشد من الغي، واستبان أن ما تدعوهم إليه هو الحق، الذي لا محيص منه، وأن الذين لا يؤمنون به عادلون عن طريق الحق، وقد بلغوا حدًّا من التمرد والعناد لا يرجى معه صلاح، فلو أنهم ردوا في الآخرة إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، لشدة لجاجهم وتدسيتهم لأنفسهم.

ولقد قتلنا سراتهم بالسيف يوم بدر، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم ولا ردهم ذلك عما كانوا فيه، بل استمروا في غيهم وضلالهم، كما قال: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)} ما لم يكونوا


(١) المراغي.