للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

إلى إرسال رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، لمثل تلك الدواعي التي دعت إلى إرسال موسى عليه السلام لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولأن رحمته اقتضت أن لا يعذب أحدًا إلا إذا أرسل رسولًا، ويتضمن ذلك كون القرآن وحيًّا من عند الله سبحانه, لأن ما فُصل فيه من الأحوال لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها، وقد انتفى كلاهما، فتبين أنه بوحي من علام الغيوب.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين فيما سلف أنه إنما أرسل رسوله قطعًا لمعذرتهم، حتى لا يقولوا حين نزول بأسنا بهم: هلا أرسلت إلينا رسولًا فنتبعه .. أردفه ببيان أنه حين مجيء الرسول، وإنزال القرآن عليه جحدوا به، وكذبوا رسالته، ولم يعتدوا بكتابه، وطلبوا مجيء معجزات كمعجزات موسى، من مجيء التوراة جملة، وقلب العصا، وإخراج اليد بيضاء من غير سوء، وقد كفر المعاندون من قبلهم بما جاء به موسى من المعجزات، وقالوا: ما هي إلا سحر مفترى، وما في إلا أساطير الأولين، وإن موسى ومحمد ساحران، تعاونا على الخداع والتضليل، وإنا لكافرون بكل منهما.

ثم أمر رسوله أن يقول لهم: إن إستطعتم أن تأتوا بكتاب خير من كتابيهما، موصل إلى الحق، هاد إلى سبيل الرشد فافعلوا، فإن لم تستطيعوا ذلك فأنتم متبعون للهوى، سالكون سبيل الضلال، ولا أضل من يسلك هذه السبيل، ثم ذكر أنه ما أنزل الكتاب منجمًا على هذا النهج إلا ليكون فيه عبرة وذكرى لهم، بين آن وآخر، لعلهم يرتدعون عن غيِّهم، ويثوبون إلى رشدهم.

قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما أثبت أن القرآن وحي من عند الله، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. أكد هذا بأن أثبت أن أهل الكتاب آمنوا به حين رأوا الأدلة تتظاهر على صدقه، وموافقته لما في كتبهم من وصف، فأجدر بمن لا كتاب لهم من قبله أن يؤمنوا به.


(١) المراغي.
(٢) المراغي.