للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولما لاح لهم من واقعة أمره أن الرزق بيد الله، يصرفه كيف يشاء أتبعوه بما يدل على أنهم اعتقدوا أن الله قادر على كل ما يريد من رزق وغيره، فقالوا: {لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ} وأنعم {عَلَيْنَا} فلم يعطنا ما تمنينا {لَخَسَفَ بِنَا} الأرض، كما خسف بقارون، لتوليد الاستغناء فينا مثل ما ولده فيه من الكبر والبغي، ونحوهما من أسباب الهلاك والعذاب، أو المعنى: لولا أن من الله علينا بالإيمان، ولطف بنا برحمته، وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي، ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك التمني لخسف بنا، كما خسف به؛ لأنا وددنا أن نكون مثله.

وقرأ الأعمش: {لولا منَّ الله} بحذف {أن}، وهي مرادة؛ لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه أيضًا: {لولا منُّ الله} برفع النون وجر الجلالة، وهي واضحة. اهـ "سمين".

{وَيْكَأَنَّهُ} قيل: {وَيْ} كلمة للزجر، والكاف حرف خطاب، وأن معمولة لمحذوف، والتقدير؛ انزجروا عن تمنيكم، واعلموا أن الشأن والحال {لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ولا يفوزون بمطلب من مطالبهم؛ أي: لا ينجو الكافرون لنعمه، المكذبون برسله، وبما وُعدوا به من ثواب الآخرة، كما كان شأن قارون، قال في "كشف الأسرار": حب الدنيا حمل قارون على جمعها، وجمعها حمله على البغي عليهم، وصارت كثرة ماله سبب هلاكه، وفي الخبر: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وأعاد (١) {ويكأن} هنا لاتصال كل منهما بما لم يتصل به الآخر، والقصد منه تأكيد ما قبله.

وقرأ الجمهور (٢): {لخسف بنا} مبنيًا للمفعول. وقرأ حفص وعصمة وأبان عن عاصم وابن أبي حماد عن أبي بكر: مبنيًا للفاعل، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش: {لا نخسف بنا} كقولك: انقطع بنا، كأنه فعل مطاوع، والمقام مقام الفاعل، هو {بنا}، ويجوز أن يكون المصدر؛ أي: لا نخسف الانخساف،


(١) فتح الرحمن.
(٢) البحر المحيط.