للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أما في اصطلاح المحدثين: فَقَدْ قَالَ السخاوي (١): ((وحقيقته فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال، إما بخرف، أو ضرر، أو مرض، أو عرضٍ من موت ابن وسرقة مالٍ كالمسعودي (٢)، أو ذهاب كتب كابن لهيعة (٣)، أَو احتراقها كابن الملقن (٤))) (٥).

إذن الاختلاط: آفة عقلية تورث فساداً في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض لَهُ بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مالٍ؛ ومن تصبه هَذِهِ الآفة لكبر سِنّهِ يقال فِيْهِ: اختلط بأخرة، ويقال: بآخره (٦).

فالاختلاط قَدْ يطرأ عَلَى كثير من رواة الْحَدِيْث النبوي مِمَّا يؤثر عَلَى روايته أحياناً فيدخل في رِوَايَته الوهم والخطأ مِمَّا يؤدي ذَلِكَ بالمحصلة النهائية إلى وجود الاختلاف بَيْنَ الروايات. ثُمَّ من كَانَ مختلطاً فدخل الوهم في حديثه لا تضر روايتُه رِوَايَةَ الثقات الأثبات؛ إِذْ إنّ الرِّوَايَة الصَّحِيْحَة لا تُعلُّ بالرواية الضعيفة، فرواية المختلط ضعيفة لا تقاوم رِوَايَة الثقات، ولا تصلح للحجية إلا إذا توبع المختلط في روايته أَوْ كَانَتْ روايته مِمَّا حدث بِهِ قَبْلَ الاختلاط. وعلماؤنا الأجلاء أحرقوا أعمارهم شموعاً تضيء لنا الطريق من أجل بَيَان كُلّ ما يدخل الْحَدِيْث من خطأ ووهم واختلاف، إِذْ إنّ مَعْرِفَة المختلطين لَيْسَ بالأمر السهل بَلْ هُوَ أمرٌ شاقٌ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ للغاية، بَلْ كَانَ


(١) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن مُحمد السخاوي، المحدث المؤرخ، حضر إملاء الحافظ ابن حجر، أصله من " سخا " من قرى مصر، ولد سنة (٨٣١ هـ‍)، وتوفي سنة (٩٠٢ هـ‍).
نظم العقيان: ١٥٢، وشذرات الذهب ٨/ ١٥، والأعلام ٦/ ١٩٤.
(٢) هُوَ عَبْد الرحمان بن عَبْد الله بن عتبة بن عَبْد الله بن مسعود المسعودي الهذلي، أحد الأئمة الكبار: سيء الحفظ، توفي سنة (١٦٠هـ‍). التاريخ الكبير٥/ ٣١٤، وتاريخ بغداد ١٠/ ٢١٨، وميزان الاعتدال ٢/ ٥٧٤.
(٣) هُوَ عَبْد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عَبْد الرحمن المصري، القاضي: صدوق، خلط بَعْدَ احتراق كتبه. توفي سنة (١٧٤ هـ‍). طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٦ و ٥١٧، والضعفاء الكبير، للعقيلي ٢/ ٢٩٣، والتقريب (٣٥٦٣).
(٤) هُوَ عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الأندلسي، ثُمَّ المصري، ولد سنة (٧٢٣ هـ‍)، كَانَ أكثر أهل زمانه تصنيفاً، من مصنفاته " طبقات الْمُحَدِّثِيْنَ " و " البدر المنير " وغيرهما، توفي سنة (٨٠٤ هـ‍). طبقات الحفاظ: ٥٤٢ (١١٧٣)، وشذرات الذهب ٧/ ٤٤و٤٥، والأعلام ٥/ ٥٧.
(٥) فتح المغيث ٣/ ٢٧٧.
(٦) يقال: ((تغير بآخرهِ)) بمد الهمزة وكسر الخاء والراء، بعدها هاء. و ((تغيّر بآخِرَة)) بمد الهمزة أَيْضاً وكسر الخاء وفتح الراء، بعدها تاء مربوطة. و ((تغير بأخرة)) بفتح الهمزة والخاء والراء، بعدها تاء مربوطة. أي: اختل ضبطه وحفظه في آخر عمره وآخر أمره. إفادة من تعليق الشيخ عَبْد الفتاح أبو غدة - رحمه الله - عَلَى كتاب قواعد في علوم الْحَدِيْث: ٢٤٩. وانظر: لسان العرب ٤/ ١٤، وتاج العروس ١٠/ ٣٦، والتعليق عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٤٩٤.

<<  <   >  >>