للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عَنْهَا قَدْ جاء بلفظ: ((فدعا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بماءٍ فأتبعه وَلَمْ يغسله)) فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله.

وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: ((فنضحه وَلَمْ يغسله)) فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير: فغسله وَلَمْ يغسله، وهذا تناقض غَيْر معقول.

وأيضاً فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ - رضي الله عنه -، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح - رضي الله عنه -، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثاً يتنَزه عَنْهُ الشارع (١).

المذهب الثَّانِي:

نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام.

لَكِنْ ذكر الباجي (٢) أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة (٣). وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل (٤).

لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب.

المذهب الثَّالِث:

ينضح بول الطفل الرضيع الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام كَانَ حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.

وَقَدْ فسّر هَذَا المذهب النضح: بأنه غمر مَوْضِع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يَبْلُغ جريانه وتردده وتقطره. فَهُوَ بمعنى الغسل الَّذِي سبق ذكره عن مَالِك (٥).

وَقَدْ اعتمد هَذَا المذهب حَدِيث أم قيس بنت محصن، فَقَدْ جاء بلفظ: ((أَنَّهَا أتت بابن لَهَا صَغِير لَمْ يأكل الطعام ... الخ)).


(١) فقه الإمام سعيد بن المسيب ١/ ٣٧
(٢) هو الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد التجيبي الذهبي الباجي ولد سنة (٤٠٣ هـ‍) من مصنفاته " المنتقى في الفقه " و " المعاني في شرح الموطأ " و " الاستيفاء "، توفي سنة (٤٧٤ هـ‍).
وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٧٨ و ١١٨٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣٤٤.
(٣) المنتقى شرح الموطأ ١/ ١٢٨.
(٤) شرح صَحِيْح مُسْلِم ١/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
(٥) المغني ١/ ٧٣٤ - ٧٣٥، والحاوي ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١، والتهذيب ١/ ٢٠٦.

<<  <   >  >>