للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رجلا فوق بئر عميق يمد يده إلى الماء من بعيد فهل يستجيب له الماء ليشرب؟! فكذلك دعاء هؤلاء لآلهتهم، أو فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها آخر، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ختم الآية بقوله: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا غيره لم يستطع الاستجابة،

ثم أخبر تعالى عن سلطانه الذي قهر كل شئ ودان له كل شئ، ولهذا يسجد له كل شئ. فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ سجود تعبد وانقياد طَوْعاً أي

طائعين كسجود الملائكة والمؤمنين وَكَرْهاً أي وكارهين كما يفعل المنافقون والكافرون في حال الشدة والضيق، أو بخضوعهم لقهر الله وسننه وَظِلالُهُمْ أي تسجد معهم لله بِالْغُدُوِّ أي بالبكر وَالْآصالِ جمع أصيل: وهو آخر النهار، فظلالهم خاضعة لسنن الله، وفي ذلك سجودها، فمن كان هذا شأنه في خلق البرق والرعد، وإنشاء السحاب وإرسال الصواعق، وشدة المحال، واستجابة الدعاء، وخضوع كل شئ له، فإنه يعلم الحق ويهدي إليه، ويطالب به، وهو حري أن يعبد ويطاع، ويتبع شرعه ورسله، ثم قرر الله تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء، يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها- بطريق الأولى- نفعا ولا ضرا، فهي لا تحصل لهم منفعة، ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له!، فهذا على نور من ربه

ومن ثم قال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ هذا هو الجواب الوحيد على السؤال، إذ من الواضح أن السموات والأرض مربوبة مقهورة مسيرة مسخرة، فمن ربها ومسيرها وقاهرها ومسخرها، إنه ليس إلا جواب واحد هو: أن فاعل ذلك هو الله، ولأنه لا جواب إلا هذا الجواب، أجاب به، وأقام الحجة عليهم به، لأنه من الواضح والظاهر أنه ما من شئ مما يعبدون يمكن أن يكون ربا للسماوات والأرض قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه آلهة لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي لا يستطيعون أن ينفعوا أنفسهم أو يدفعوا ضررا عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم! فكيف آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب؟ فما أبين ضلالتكم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الكافر والمؤمن؟ أو من لا يبصر شيئا ومن لا يخفى عليه شئ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي ملل الكفر بأنواعه واتجاهاته،

<<  <  ج: ص:  >  >>