للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به. وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال؟ فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات -وإن كانت باطلة- لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أن يقال سألت الله بكذا كما في الحديث: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان" (١)، ورأيي أن الاستغاثة تتعدي بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: ٩]، وقوله: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: ١٥]، فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله سألت بفلان والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول: أسألك بفلان، فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان، ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.

وأصل الشبهة على هذا التقدير أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثاً مدعواً مسؤولاً مطلوباً منه، وبالاستغاثة المحضة من الإغاثة التي يكون المضاف بها مطلوباَّ به لا مطلوباً منه، فإذا قيل: توسلت به أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم، وهم يقولون أستغيثه وأستغث به من الإغاثة، كما يقولون: استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه.

وإذا قالوا لمخلوق: استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولاً مطلوباً منه، وأما إذا قالوا: استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً، وكذلك استنصرته واستنصر به، فإن المستنصر يكون مسؤولاً مطلوباً؛ وأما المستنصر به فقد يكون مسؤولاً وقد لا يكون مسؤولاً.


(١) أخرجه النسائي في (كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر) ٣/ ٥٢ رقم ١٢٩٨، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب الدعاء) ٢/ ٧٩ - ٨٠ رقم ١٤٩٥، والترمذي في (كتاب الدعوات، باب خلق الله مائة رحمة)، ٥/ ٥٥٠ - رقم ٣٥٤٤ وغيرهم، ولفظهم: " .... لا إله إلا أنت المنان ... "؛ صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤١٦ رقم ١٢٩٩، ط الأولى للطبعة الجديدة ١٤١٩ هـ. الناشر مكتبة المعارف - الرياض.

<<  <   >  >>