فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لم يدع له؛ لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم وسيلة إليه، وكذلك لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى، فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع عما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه.

وحديث الأعمى إنما ظهر بسبب كلامنا، ومن جهة أصحابنا اتصل علمه إلى هؤلاء المبتدعة، فإن الفقيه أبا محمد بن عبد السلام لم يقف على هذا الحديث ولم يعرف صحته، فإنه علق الجواب بجواز التوسل به - صلى الله عليه وسلم - على صحته فكأنه لم يصح عنده إما لعدم علمه بتصحيح الترمذي له أو أنه اطلع فيه على قادح معارض، ولولا الإطالة لتكلمنا على ذلك فنحن لا حاجة بنا إلى شيء من ذلك، فإنا بالحديث عاملون وله موافقون وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب من الله عز وجل ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله -تعالى- نرغب وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول كما أنه المعبود المستعان، لا نشرك به شيئاً (1).

[13 - استدلال القبورية بسماع الميت]

لو قال القائل: سؤال الغائب حياً وميتاً كسؤال الشاهد، فإن الأنبياء والأولياء يسمعون خطاب الغائب البعيد ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين عنه.

قلنا: هذا محال في العادة المعروفة، وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب خرق العادة، والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى خطاب الأعلى، كما


(1) انظر: تخريج الحديث ص 257.

<<  <  ج: ص:  >  >>