فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولهذا تنازعوا في المسلم إذا وكَّل ذمياً في شراء الخمر، فقال الجمهور: لا يصح لأن الملك يحصل للموكل، والمسلم ليس له أن يملك الخمر، وأبو حنيفة يقول: ملكها الذمي ابتداء ثم دخلت في ملك المسلم ضرورة كالميراث (1)، وعلى كل تقدير فمآل الأمر إلى الموكل.

ومع هذا ففعل الوكيل متميز عن فعل موكله، وكلامه متميز عن كلامه، ليس أحدهم هو الآخر، ففعل المخلوق أشد مباينة لفعل الخالق من مباينة فعل مخلوق لمخلوق، فإذا (2) كان (3) مبايعة الوكيل مبايعة للموكل؛ مع تميز الفعلين، فالتمايز في الخالق أولى، ولو أرسل مُرسل رسولاً إلى شخص ليعاهده عقداً من العقود: [هدنة] (4)، أو نكاحاً أو غير ذلك؛ لكانت معاهدة الرسول معاهدة لمرسله مع تميز أحد الفعلين عن الآخر، ومِع كون المُرسل والرسول من جنس واحد، ومع أنه يمكن أن يقيم الموكل وكيله مقَامه في عامة أفعاله، لأن الوكيل يفعل مثلما يفعله موكله.

وأما الرب -تعالى- فيمتنع أن يفعل أحد مثل فعله، ويمتنع أن يستخلف أحداً يقوم مقامه في فعله، فإنه سبحانه خالق فعل ذلك الشخص، وهو سبحانه شاهد لا يغيب.

وهذا موضعٌ غلط فيه طائفة من الناس، فظنوا أن الله يستخلف أحداً عن نفسه؛ [وادعى] (5) بعضهم أن آدم خليفة عن الله في الأرض يقوم مقامه، وأنه جمع له حقائق (6) أسمائه الحسنى، قالوا: وهو معنى تعليمه الأسماء كلها،


(1) والصواب: أن ما لا يجوز للمسلم أن يعقد عليه لا يجوز أن يوكل فيه كشراء الخمر، لأن الخمر ليس محلّاً للعقد. انظر: المغني للعلامة موفق الدين أبي محمد عبد الله بن قدامة 5/ 263، الناشر دار الكتاب العربي بيروت لبنان، وبهامشه الشرح الكبير.
(2) في (د) و (ف) و (ح) وإذا.
(3) كذا في جميع النسخ والأولى كانت.
(4) كذا في (د) وفي الأصل و (ف) و (ح) وهدنه - بزيادة واو.
(5) كذا في (د) و (ف) و (ح) وفي الأصل "والدعى".
(6) (حقائق) سقطت من (د) و (ف)، يزعم بعض الصوفية أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى خواصاً وأسراراً تتعلق به، وتجاوز بعضهم فزعموا بأن لكل اسم خادماً روحانياً يخدم من يواظب على الذكر به، ويدعون أنهم يكشفون بأسماء الله أسرار المغيبات، =

<<  <  ج: ص:  >  >>