فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اتصافه بنقائضها، فإن كماله من لوازم ذاته الواجبة الوجود بنفسها التي يمتنع (1) عدمها أو عدم شيء من لوازمها، والمخلوق يجب أن يكون معدوماً محدثاً فقيراً، فلو تماثلا للزم أن يكون كلاً منهما واجب الوجود واجب العدم؛ قديماً محدثاً؛ غنياً بنفسه فقيراً بنفسه، وذلك جمع بين النقيضين، وإذا كان المخلوق الذي يرسل من يماثله لا يكون فعله هو فعله، فالخالق الذي يرسل بعض عباده أبعد أن يكون فعله هو فعله، حتى تكون نفس بيعة الرسول نفس بيعة المرسِل، وإذا كان خالقاً لذلك الفعل وغيره من المخلوقات؛ فهو بهذا (2) الاعتبار لا اختصاص له، والله -تعالى- قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].

فإن محمداً رسول الله، وبيعته عن مرسله ليست بيعة لنفسه (3) والجزاء على مرسله، ولهذا قال: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].

وأما استشهاده بقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] فمن هذا الجنس، وهو قد سبقه إلى هذا المعنى الذي توهمه طائفة من الجهال (4)، وذلك أن الله لم يُضفِ الرمي هنا إلى نفسه؛ لمجرد كونه خالقاً لأفعال العباد، فإن هذا قدر مشترك ببن رمي النبي وسائر أفعاله غير الرمي، وبين رمي غيره من الناس وبين أفعالهم (5)، فأفعال العسكرين يوم بدر خلقها الله كما خلق سائر أفعال الحيوان، ولو جاز أن يقال: إن الله رمى؛ لكونه خلق حركة العبد، لقيل: إنه يكر ويفر ويركب ويعدو ويصوم ويطوف، [ونحو ذلك] (6)؛ لكونه يخلق ذلك.


= وسيأتي بيان حكم الاستدلال بالحديث، واتفاق أهل العلم أن الأسماء ليست من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هي مدرجة، انظر: ص 201.
(1) في (د) ممتنع.
(2) في (د) هذا.
(3) في (د) لنفسي وهو خطأ.
(4) هذه الآية استدل بها الاتحادية على مذهبهم. انظر: معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد المنعم الحفني ص 181 حرث العين.
(5) في (د) فإن.
(6) ما بين المعقوفتين من (د)، وسقطت من الأصل و (ف) و (ح).

<<  <  ج: ص:  >  >>