فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المؤمنين يوم بدر، وما أيدهم به من النصر، فلو أريد كونه خالقاً لفعله؛ لكان هذا قدراً مشتركاً بين جميع الناس، بل لا بد أن يكون لرميه خاصة يعجز عنها الخلق، فعلها الله تأييداً لنبيه ونصراً له؛ وإنعاماً عليه وعلى المؤمنين.

فتبين أن هذه الآية حجة عليه لا له كالأولى، وأن الله -تعالى- فرَّق بين فعل الخلق وفعل نفسه، ولم ينزل أحداً منزلة نفسه في الأفعال.

ومما يبيّن ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تُنفى عنهم باتفاق المسلمين، من قال إن الله خالقها، ومن قال إن الله لم يخلقها، لا يجوز أن يقال هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف، ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى، ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى، وسواء كانت أفعالاً (1) محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سبباً لخرق العادة أم لا؟ فلا يقال إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر؛ ولكن الله ضرب، ولا يقال إن نوحاً ما ركب السفينة؛ ولكن الله ركب، ولا يقال إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع، ولا يقال محمد - صلى الله عليه وسلم - ما ركب البراق (2) وأمثال هذا.

فالفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله -تعالى-؛ إلا على بيان أن الله خلقه، وجعل صاحبه فاعلاً، كقول الخليل -عليه السلام-: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40]، وكما قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128]، [وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} (3) [السجدة: 24]، (وقال تعالى) (4) {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41].

ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة، ويدعو إلى النار، ولا أنه قد أسلم،


(1) في (د) الأفعال.
(2) البراق: هي الدابة التي ركبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء. سمي بذلك لنصوع لونه وشدة بريقه. وقيل: لسرعة حركته شبيه فيها بالبرق. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/ 120 باب الباء مع الراء.
(3) ما بين المعقوفتين في (د)، وسقط من الأصل و (ف) و (ح).
(4) ما بين القوسين سقط من (ف) وفي (د) (وقال).

<<  <  ج: ص:  >  >>