فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والصنف الثاني: الجهمية الجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد نفس فعله، وفعله هو مفعوله، كما يقوله الجهم بن صفوان وأتباعه كالأشعري ومن وافقه، وهؤلاء لم يثبتوا له فعلاً قائماً بنفسه غير المخلوقات المباينة له، فإذا كان خالق أفعال العباد لزم أن تكون هي فعله ولا تكون فعلاً لغيره، وحينئذٍ فالصفات الفعليّة التي يصفون بها الربّ، مثل كونه خالقاً ورازقاً وعادلاً؛ إنما تتصف عندهم فيها بمخلوقاته؛ وتتصف أيضاً عندهم بأفعال العباد كلها، فالجهم بن صفوان أعظم الناس وصفاً له بمخلوقاته في كلامه وأفعال العباد وغير ذلك.

والمعتزلة وافقوه في الكلام ونحوه من الصفات دون أفعال العباد، ووافقوه في فعله لغير أفعال العباد؛ لكون أفعال العباد عندهم ليست فعلاً له، فالجهمية والمعتزلة متفقون على أنه يوصف بمخلوقاته، لكن المعتزلة عندهم هو خلق كلامه ورضاه وغضبه وإراداته فيوصف بها، ولم يخلق أفعال العباد فلا يوصف بها.

و [أما] (1) جهم فعنده أنه خلق الجميع فلزمه أن يوصف بالجميع، والأشعري وافق جهماً في المخلوقات من أفعال العباد وغيرها؛ دون الكلام والإرادة فإنهما عنده صفات تقوم بالله، لكنه وافقه على أن المخلوق هو الخلق، وهو يصفه بالصفات الفعلية فوافقه على اتصافه بالمخلوق من هذا الوجه، صار هو والمعتزلة متقابلين، هو ينكر عليه قولهم في الكلام والإرادة، وأصاب في إنكاره عليهم، وهم ينكرون عليه قوله في أن أفعال العباد فعله (2)، وهم وإن أصابوا في (3) هذا الإنكار؛ لكنهم ينكرون أن تكون مخلوقة لله (4)، وهذا منكر، والأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة وكسباً (5)،


(1) كذا في (د) و (ف) و (ح)، وسقطت من الأصل.
(2) انظر: رد الأشاعرة على المعتزلة في: الإرادة في شرح المقاصد 4/ 128 - 130، وفي مسألة الكلام 4/ 143 - 151 من نفس المرجع. ورد المعتزلة عليهم في أفعال العباد في شرح الأصول الخمسة ص 332.
(3) في (ف) (فهذا).
(4) في (ف) (يكون مخلوقه لله) وفي (د) (يكون مخلوق).
(5) الكسب الأشعري: يقول الأشاعرة: الأفعال مسندة إلى الله -تعالى- خلقاً وإلى =

<<  <  ج: ص:  >  >>