للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لكن أولئك قالوا: هو (١) لا يحب الكَفر والفسوق والعصيان فلا يريده، فيكون ما يقع من ذلك بدون مشيئته وقدرته، فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون.

وقال هؤلاء: هو أراد الكفر والفسوق والعصيان، فهو يحب ذلك ويرضاه، وإن كان لا يريده (٢) دينًا، بل يريد تنعيم من أطاعه وتعذيب من عصاه.

ثمّ قال هؤلاء: هذا الفرق يعود إلى حظوظ (٣) أنفسهم، فالعارف الفاني عن حظوظه في شهود قيوميته لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة.

ثمّ قالوا: والأنبياء والصديقون يقومون بالفرق لأجل العامة، رحمة بهم، وهذا عندهم من التلبيس الّذي أمرت به الخاصة، وهم يبطنون ما يظهرون،


= والمعاصي، فلما كان هذا ثابت لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، وقالت الجهمية ومن اتبعها من الأشاعرة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل ما في الوجود فهو بمشيئته وقدرته، وهو خالقه، وعلى هذا فالكون كله، قضاؤه وقدره، وطاعته ومعصيته، وخيره وشره، محبوب لله، لأنّه مريد له وخالقه، وقد حاول بعض الأشاعرة التخفيف من الألفاظ وبعضهم تجنب التصريح بذلك ونهى عنه.
والقول الثّاني: أن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة، وهو قول عامة أهل السُّنَّة المثبتين للقدر، قالوا: إنَّ الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا، فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها. وأن الإرادة في كتاب الله نوعان:
إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية هي المتمضنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، فالإرادة الدينية هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به، والإرادة الكونية هي المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٤٥٩ وما بعدها، والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لأبي المعالي الجويني، تحقيق أسعد تميم ص ٢١١ - ٢١٩ (الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، الناشر مؤسسة الكتب الثقافية بيروت - لبنان)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/ ٣٥٦ - ٣٥٨، ٨/ ٢٤٠ - ٢٤١، وشفاء العلّيل لابن القيم ١/ ١٤١ - ١٤٢، وشرح الطحاوية ص ١١٣ - ١١٤، ٢٥١، ٤٤٧، والقضاء والقدر، تأليف د. عبد الرحمن المحمود ص ١٩٦ - ٢٠٠.
(١) (هو) سقطت من (د).
(٢) في (ف): يريد وهو خطأ.
(٣) حظوظ جمع حظ وهو النصيب. المصباح المنير، تأليف أحمد الفيومي المُقرئ ص ٥٤ الناشر مكتبة لبنان بيروت - لبنان.

<<  <   >  >>