فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما الحلولية الذين يصفونه ببعض أفعال المخلوقات، كما تقوله النصارى في المسيح والغالية في الأئمة والشيوخ والقائلون بالحلول العام -كقول ابن عربي-:

وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه (1)

فهؤلاء فساد قولهم أظهر من هذا كله، وقول هذا المتخلف (2) يرجع إلى قول هؤلاء، وإن كان قد لا يلتزمه لو عرف أنه يلزمه.

وأما الخبر الذي استشهد به من قوله: "استطعمتك"، فلفظه في الصحيح يقول الله -تعالى-: "عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: ربِّ كليف أطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: ربِّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلو عدته لوجدتني عنده" (3)، وهذا الخبر ليس فيه فعل للعبد، وإنما فيه جوعه ومرضه، ولكن ظن أن لفظة "استطعمتك" وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب، وأيضاً فالخبر مقيد لم يطلق الخطاب إطلاقًا، وإنما بيّنَ أن عبده هو الذي مرض، وهو الذي جاع، وقال: "لو أطعمته لوجدت ذلك عندي"، ولم يقل لوجدتني أكلته، وقال: "لو عدته لوجدتني عنده؛ ولم يقل لوجدتني إياه".

والحديث خطاب مفسر مُبين أن الرب ليس هو العبد؛ ولا صفته صفته؛ ولا فعله فعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدًا مبينًا للمراد، فلم يطلق الخطاب إطلاقًا، وأيضًا فقد عَلمَ المخاطب أن الرب لا يجوع ولا


(1) هذا البيت لابن عربي ونصه: ألا كل قول في الوجود (البيت).
انظر: الفتوحات المكية لابن عربي (4/ 14) طبعة 1329 هـ مصطفى الحلبي، دار الكتب العربية القاهرة.
(2) أي البكري.
(3) أخرجه مسلم في (كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض) رقم (2569) (4/ 1990) ولفظه: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا ربِ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده. أما علَمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن ... الحديث".

<<  <  ج: ص:  >  >>