فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فعل الآخر، ولكن أخبر أن إحساس العبد وفعله يقع به، لأنّ العبد إذا صار لله فيما يحبه ويرضاه، ويحب ما يحب، ويبغض ما يبغض، ويرضى بما يرضى، ويأمر بما يأمر، وينهى بما ينهى صار الإيمان به ومعرفته وتوحيده في قلبه، فإحساسه وأفعاله [تقع] (1) به، وهذا فيما في القلب نظير قوله فيما للسان: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (2)، فقال: تحركت بي؛ وإنما تتحرك باسمه، كذلك قوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"، أي بما في قلبه من الإيمان بي، وقد يسمى هذا المثال العلّمي (3)، وهذا كثير في الكلام؛ كقول القائل:


= به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّذي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته".
وقال ابن حجر في فتح الباري 11/ 419 في شرح الحديث: بعد ذكر أقوال العلماء فيه، قال: وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه؛ من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتّى يصفى من الكدورات يصير في معنى الحق -تعالى الله عن ذلك-، وأنّه يفنى عن نفسه جملة حتّى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تفسير عدمًا صرفًا في شهوده وإن لم تعدم في الخارج، وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث: "ولئن سألني، ولئن استعاذني"، فإنّه كالصريح في الرَّدِّ عليهم. أ. هـ. وكذلك رد على الاتحادية والحلولية في تمسكهم بهذا الحديث ابن رجب في جامع العلوم والحكم 2/ 247.
(1) كذا في (د) و (ح) وفي الأصل و (ف) يقع.
(2) أخرجه البخاريّ في (كتاب التّوحيد، باب قول الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} وفعل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين ينزل عليه الوحي) تعليقًا جازمًا به (5/ 2350) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ولفظه: "قال الله -تعالى-: أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه"، وفي رواية الكشميني -أحد رواة البخاريّ-: "ما ذكرني" فتح الباري لابن حجر 13/ 611، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند 2/ 540 موصولًا، والحاكم في المستدرك 2/ 496 في كتاب الدُّعاء وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ووصله ابن حجر وذكر طرقه في تغليق التعليق 5/ 362 - 364 باب قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)}.
(3) والمثال العلّمي هو: أن محبة الله تستولي على قلب المُحب بحيث يفنى بها عن غيرها، ويغلب محبوبه على قلبه حتّى كأنّه يراه ويشاهده، فإن لم يكن عنده معرفة صحيحة بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وإلا طرق باب الحلول إنَّ لم يلجه. والمثال العلّمي غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابق لها، فمحله القلب ومحل الحقيقة الخارج. =

<<  <  ج: ص:  >  >>