فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التّوحيد، كما جاء في مقام الإحسان (1) "أن تعبد الله كأنك تراه" (2)، نطق برد الأشياء إلى خالقها وغلب ذلك على نطقه).

فيقال: مشهد (3) القيومية يشهد فيه أن الله خالق كلّ شيء، وهذا الشهود العام يتناول ما دخل من إيمان وكفر، وأمّا الإحسان الّذي فيه "أن تعبد الله كأنك تراه"، فهذا مقام من يميز بين المأمور والمحظور، فإن العبد إذا قدّر (4) كأنّه يشاهد ربه فعل ما أُمر به وترك ما نُهي عنه، ووَالى أولياءه وعادى أعداءه، وهذا مشهد الإلهية (5) الّذي دعت إليه الرسل؛ حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته، وليس هذا هو مشهد القيومية، ولكن من أكبر من هذا الرَّجل غلطوا في هذا، -فغلط مثل هذا لا يُنكر- لا سيما كثير من الشيوخ المعظمين عند هذا وأمثاله، فإنهم لا يفرقون بين هذا وهذا؛ بل ويُعدون نهاية العارفين الفناء (6) في توحيد الربوبية وشهود القيومية


(1) الإحسان: لغة: فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير، وفي الشّريعة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك (التعريفات 12 باب الألف).
(2) أخرجه البخاريّ في (كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام والإحسان (1/ 40 برقم 50 من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وأوله: "كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجل فقال: ... الحديث"، ومسلم في (كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان) 1/ 36 رقم 8.
(3) في (د) شهدوا.
(4) في (ط) صار.
(5) مشهد الإلهية: هو شهادة أن لا إله إِلَّا الله، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلّى له ويسجد، ويستحق -سبحانه- نهاية الحب مع كمال الذل، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده وله الحكم وحده.
وهذا المشهد هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو أعلى من مشهد الربوبية الّذي
هو مشهد القيومية، ولذلك فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية. انظر" طريق
الهجرتين لابن القيم ص 44 - 45.
(6) قسم ابن تيمية الفناء على ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السِّوَى وهو: عبادة الله وحده وهو التّوحيد، وفناء عن شهود السِّوَى وهو: الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الاصطلام، والثّالث الفناء عن وجود السِّوَى وهو: قول أهل وحدة الوجود. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/ 370. =

<<  <  ج: ص:  >  >>