فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهؤلاء غاية تحقيقهم شهود التّوحيد الّذي أقر به عبَّاد الأصنام (1) العرب، كانوا يُقرون بأن الله خالقُ كلّ شيء وربّه ومليكه؛ كما أخبر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} [المؤمنون: 84 - 89]، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنّهم احتجوا في ذلك بقوله: {سَيَقُولُ} [الأنعام: 148].

وقد ظن طائفة من المثبتين للقدر أنّهم قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر والاستهزاء به (2)، لقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعام: 148]، وبهذا أجابوا القدرية لما احتجت (3) عليهم بهذه الآية، وهذا غلط، فإن العرب كلهم كانوا يثبتون القدر، ويقرون أن الله خالق كلّ شيء وربه ومليكه فلم يكونوا مكذبين بذلك، ولا ذمهم الله -سبحانه- على التكذيب بالقدر؛ بل على الاحتجاج به على إبطال الأمر والنهي، وقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعام: 148]، أي كذبوا بالأمر والنهي الّذي جاءت به الرسل، فإن هذا هو تكذيب الذين من قبلهم؛ الذين ذكر الله في القرآن، ولهذا قال: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148]، أي: فإن المحتج


= والصواب أن الفرق ينقسم أيضاً إلى قسمين الأوّل: الفرق بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق، ويقابل جمع الملاحدة، ويقولون الجمع ما أسقط هذا الفرق، وهذا هو الفرق الصحيح. والثّاني: الفرق بين الهمة والإرادة، ويقابل الجمع الصحيح أي الجمع بين الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده، وهذا الفرق مذموم. مدارج السالكين 3/ 445.
(1) في (د) فإن عباد الأصنام من العرب.
(2) مثل التفتازاني في شرح المقاصد 4/ 274.
(3) في (د) أحتججت.

<<  <  ج: ص:  >  >>