فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنّه يكون الجمع في قلوبهم مشهودًا، والفرق في ألسنتهم موجودًا، فالقائم بالفرق عندهم لا يكون إِلَّا واقفًا مع حظه أو ملبّسًا (1) بإيمانه لأجل غيره، إذ لا فرق بنسبة إلى الله عندهم.

ومن عرف ما جاءت به الرسل من إثبات محبة الله ورضاه، وفرحه بتوبة التائبين وسخطه وغضبه ومقته لمن عصاه، وعرف أن الفرق ثابت بالنسبة إلى القدر مع شمول المشيئة لكلّ واقع؛ وصار على ملة إبراهيم الّذي اتخذه الله خليلًا، فأحب الله وأحب ما يحبه الله، كان متابعًا لما أمر الله به وأحبّه ورضيه، ولم يكن مع مجرد الإرادة.

فإن هؤلاء دخلوا بإرادة أنفسهم فانتهوا إلى الإرادة الخلقية، ومن دخل بالإرادة الّتي هي أمر الله ونهيه مصدقًا لما أخبر الرسول من الفرق الثابت في كتاب الله وأفعاله، كان على دين الإسلام الّذي أرسل الله به رسله وأنزل كتبه، على ملة إبراهيم ودين محمّد - صلى الله عليه وسلم -؛ ومن لم يقل بالفرق في نفس الأمر فإنّه خارج عن حقيقة الإيمان كما أنّه خارج عن شريعة الإسلام، فليس معه حقيقة إيمانية، ولا شريعة إسلامية، وإنّما معه حقيقة خلقية قدرية أقر بها عبَّاد الأصنام الذين هم مشركون، وذلك أن شهود القيومية بلا جمع ممتنع طبعًا وشرعًا، فمن لم يشهد الفرق الشرعي الإلهي؛ وإلا كان مع الفرق الطبعي النفساني أو مع فرق آخر شيطاني.

فمن لم يعبد الرّحمن عبد الشيطان، {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)} [الزخرف: 36 - 38]، وذكر الرّحمن يراد به الذكر الّذي أنزله الله، كما قال تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} [طه: 123 - 126]، فمن أعرض عن هدى الله الّذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه؛ فلم


(1) في (ف) ملتبسًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>