فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخّمْرِ، فهل يقول هذا مؤمن أو عاقل؟ وقوله - صلى الله عليه وسلم-: "ولكن الله حملكم" سنذكره إن شاء الله.

وإلا مشهد القيومية شامل لجميع الفعل، وإن فرق بين خلق الله لحملهم وكلامهم ولفعلهم ولتكذيب (1) المكذبين.

أفترى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كان يشهد القيومية في بعض الأشياء، وهو أعلم الخلق بالله، ومشركو العرب كانوا مقرين بأن الله رب كلّ شيء، وهم يقرون بمشهد القيومية.

الوجه الرّابع: أن يقال له: مَنْ مِن المقربين كان يقف عند مشهد القيومية، فيرد جميع الأفعال إلى [الخالق] (2) من غير أن يشهد أنّها أفعال لفاعليها يستحقون عليها المدح والذم، والثواب والعقاب.

وهذا القرآن ينطق عن جميع الأنبياء والمرسلين -وهم سادات المقربين- بأنّهم كانوا يفرقون بين المعروف والمنكر، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، ويأمرون بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة ما سواه، ولو لم يشهدوا إِلَّا القيومية الّتي ترد فيها الأفعال إلى خالقها، لم يأمروا ولم ينهوا ولم يمدحوا ويذموا، فإن العبد لا يأمر الله ولا ينهاه ولا يذمه ولا يعاقبه.

والأنبياء كلهم على شهود الفرق، ومدح المحسن وذم المسيء، وإن كانوا مقرين بأن الله خالق كلّ شيء وربه ومليكه، فشهود القيومية العامة لا يناقض؛ أن يفعلوا ما أُمروا به، وأن يأمروا الخلق بعبادة الله وحده، وينهونهم عن عبادة ما سواه.

بل عامة بني آدم من المسلمين والكفار يقرون بالقدر وبهذه القيومية، وهم مع هذا يثبتون الفرق بين المطلوب والمرغوب، ويمدحون من فعل ما يوافق مرادهم، ويذمون من خالف ذلك، ولا يرون الإقرار بالقيومية مناقضًا لذلك.


= وسيأتي تخريج الخبر كاملًا في ص 172.
(1) في (ف) والتكذيب -بزيادة ألف-.
(2) كذا في (ت) و (ط) وفي الأصل و (د) و (ف) و (ح) "الخلق"، وهو خطأ.

<<  <  ج: ص:  >  >>