فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذكره عمر قد جاء مفسرًا في سائر أحاديث الاستسقاء، وهو من جنس الاستشفاع به، وهو أن يطلب منه الدُّعاء والشفاعة، ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا، وأن يقدم بين أيدينا شافعًا وسائلًا بأبي هو وأمي، فقد بين أنّه يجوز سفاله والطلب منه وهو الاستغاثة.

ومعلوم أن هذا من جملة الأسباب الّتي تفعل على جهة التسبب مع التوكل على الله -عز وجل-، لا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنّه مستقل بالقدرة والتأثير، فإن الاستقلال (1) من خصائص الرب -تعالى-.

وإذا كان هذا الوجه متفقًا عليه فَحَمْلُ الحديث عليه لا يضر، وحينئذٍ فالمطلوب منه إمّا أن يكون قادرًا عليه، واما أن لا يكون قادرًا، فإن كان قادرًا طُلب على هذا الوجه، وإن لم يكن قادرًا عليه طُلب من الله، ولا منافاة بين المعنيين، لكن ظاهر لفظ الحديث -إن صح (2) - يقتضي أنّه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنّه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله -تعالى-.

الوجه الثاني: أن يقال: الأسباب المخلوقة والمشروعة لا تنكر، والأسباب المشروعة تفعل مع التوكل على الله، لكن لما قلتم: إنَّ الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إِلَّا الخالق هو من الأسباب المشروعة، والكلام إنّما هو في هذا، وهذا هو الّذي نهى عنه.

فالجواب حيث قيل: فأمّا ما لا يقدر عليه إِلَّا الله فلا يجوز أن يطلب إِلَّا من الله، لا يطلب ذلك من الملائكة ولا من غيرهم، فلا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لنا، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك، ثمّ ذكر الحديث المذكور فبين أن المنهي عنه أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إِلَّا الخالق، والطالب من النّبيّ قد يظن (3) أن يقدر على قضاء حاجته ولا يكون كذلك، كما كان يسأله الناس؛ إمّا نساؤه إما


= قحطوا) 1/ 302 رقم 1010 وطرفه 3710 وسيأتي الحديث بتمامه ص 197.
(1) في (د) الاشتغال.
(2) الحديث ضعيف وسيأتي تخريجه والكلام عليه. وسبق الكلام عليه في التلخيص وسيكرر المؤلِّف نفس العبارة بعد صفحات ص 186، وانظر: تخريج الحديث في ص 199.
(3) (يظن) سقطت من (د).

<<  <  ج: ص:  >  >>