فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقالت الطائفة الثالثة: إن هذه المتولدات حادثة بفعل العبد وبالأسباب الأخرى، فالعبد مشارك فيها؛ لم ينفوا أثره كما نفاه الأولون، ولا جعلوه فاعلًا كالآخرين، بل جعلوه مشاركًا فيها، وهذا أعدل الأقوال (1)، ولهذا فرَّق الله -تعالى- بين الأعمال المباشرة والمتولدة في قوله -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} الآية، ثم قال: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 121]، فلما كان الإنفاق والسير عملًا مباشرًا قال فيه: {كُتِبَ لَهُم}، وتلك الأمور من النصب والجوع وغيظ الكفار والنيل من العدو [ليس] (2) مباشرًا، بل هو مما يسمى متولدًا، فلهذا قال فيه: {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} لأنهم مشاركون في حصول هذه الآثار، وحصول هذه الآثار لا بد فيه من الأسباب التي يخلقها الله، ومن دفع الموانع، فلا تجوز أن تجعل مفعولة لسبب معين، بل هي مفعولة لله -تعالى-، وانتصار المؤمنين على الكفار هو أعظم من النيل الذي ينال من العدو، فإذا لم يكن هذا مفعولًا لمخلوق فكيف يكون النصر؟.

وهب أن الملائكة نزلت بقذف الرعب في قلوب الكفار كما قال -تعالى-: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12]، وأيضًا فهب أن الملائكة حضروا فمن الذي يخلق القدرة فيهم وفي المؤمنين، والقدرة التي بها يكون الفعل أكثر؛ لا [تكون] (3) إلا مع الفعل، وهب أن القدرة حصلت فمن يخلق الأسباب الخارجة؛ كقبول الجلود للجرح، وحصول الزهوق بعد الجرح والهزيمة المستمرة إذ يمكن أن الكفار يفرون ويكرون، ويمكن أنهم


= الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 387 - 390 والملل والنحل 1/ 71، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، تأليف عواد المعتق ص 184، وما بعدها النشرة الأولى 1409 هـ الناشر دار العاصمة الرياض.
(1) انظر: الفصل لابن حزم 3/ 136.
(2) كذا في (د) و (ح) وفي الأصل و (ف) وليس بزيادة (واو).
(3) كذا في (ح) وفي الأصل و (ف) و (د) يكون.

<<  <  ج: ص:  >  >>