فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقاتلون حتى يقتلوا؛ فلا يقتل منهم واحد حتى يقتل غيره.

فالنصر الذي قال الله -تعالى- فيه {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]، لا يقدر عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يقدر عليه إلا الله، ليس في الموجودات سبب يحصل به هذا النصر ولا موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، فإن كل ما يكون لسبب فلا بد من حصول سبب آخر، ومن رفع موانع ثم خلق الأسباب.

ورفع الموانع لا بد أن يُحدِثَ هو سبحانه ذلك الأثر بفعل منه، على أصح قوليّ الجمهور الذين يقولون: إن الخلق غير المخلوق، فإن هؤلاء لهم قولان: [هل] (1) يخلق بفعل واحد قديم يوجد جميع الموجودات؟ أم هو يوجد به المفعولات بأفعال متعاقبة، كما قال -تعالى-: {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] على قولين، ومن قال بالثاني قال: إن المؤثر التام يستلزم الأثر التام، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح فإن الفاعل إذا كان قبل حدوث المفعول وحين حدوثه على حال واحدة؛ كان تخصيص أحد الحالين بحدوث المفعول ترجيحًا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، وهذا ممتنع في صريح العقل (2).

فالأثر لا يوجد إلا إذا حصل مؤثره التام، فإنه بدون تمامه لا يكون مؤثرًا، فلا يحصل الأثر، وإذا تم وجب حصول الأثر، إذ لو لم يجب لأمكن وجوده؛ وأمكن عدمه، فكان (3) يتوقف على حدوث شيء آخر فلا يكون المؤثر تامًا، وهؤلاء يقولون: [إن] (4) القدرة مع الفعل، [وكذلك الإرادة، وسائر ما يتوقف عليه الفعل] (5) , وإن كان بعض ذلك قد يتقدم عليه ويبقى إلى


(1) كذا في (د) وسقطت من الأصل، و (ف) و (ح).
(2) قول أهل الكلام في العلة التامة (المؤثر التام) بأنه يجب أن يتراخى عنها معلولها، وقول الفلاسفة أن العلة التامة يجب أن يقارنها معلولها، وكلاهما غير صحيح، والصواب مذهب أهل السنة وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر فيكون عقبه، لا مقارنًا له، ولا متراخيًا عنه، كما يقال: كسرت الإناء فانكسر، وكما قال تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] فإذا كان كون شيئًا كان عقب تكوين الرب له، لا يكون مع تكوينه ولا متراخيا عنه. أ. هـ. من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة 3/ 996.
(3) كذا في جميع النسخ والصواب (فإن كان).
(4) كذا في (د) و (ح) وسقطت من الأصل و (ف).
(5) ما بين المعقوفتين من (ف) و (د) و (ح) وسقط من الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>