فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكن العبد يقدر علي أسبابه وهو المطلوب منه بقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6]، وهو المنفي [عن] (1) الرسول بقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، وقوله: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37]، وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]. وأما القدرية فيقولون: إن ذلك مقدور للعبد (2).

ولهذا تنازعوا في العلم الحاصل في القلب عقب الاستدلال، فقالت القدرية: هو فعل العبد، وقالت المثبتة: هو مفعول الله كسب للعبد (3).

وتنازعوا في النظر هل هو متضمن له مستلزم له أو مقترن اقترانًا عاديًا؟ على قولين مشهورين، والتحقيق أنه من جملة الأمور التي تسمى المتولدات كالشبع والري والرؤية في العين والسمع في الأذن، فهي حاصلة بفعل العبد المقدور له (4)، وبأسباب خارجة عن قدرته، ولهذا يثاب عليه لما له في حصوله من التسبب والاكتساب.


(1) كذا في (ح) و (ط) وفي الأصل و (ف) و (د) من.
(2) الهداية عند أهل السنة أربعة أقسام:
الأول: الهداية إلى مصالح الدنيا، وهذا مشترك بين الحيوان والإنسان والمؤمن والكافر.
الثاني: الهدى بمعني دعاء الخلق إلى الدين الحق.
الثالث: هدى التوفيق والإلهام، الذي هو جعل الهدى في القلوب، وهذا القسم أخص من القسم السابق, وهذا القسم ضل فيه المعتزلة من القدرية وكذلك الجبرية، فقد فسر القدرية هذا القسم بالقسم الثاني هدى البيان العام والتمكن من الطاعة والاقتدار عليها.
وقابلهم الجبرية ببدعة أخرى فأنكروا فعل العبد، وقدرته، والأسباب، وهدى الله أهل السنة للحق فأثبتوا كلا القسمين، وهذا القسم يستلزم أمرين: أحدهما فعل الرب -تعالى- وهو الهدى، والثاني فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي.
والرابع: الهدى في الآخرة كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)} [يونس: 9]، وغيرها من الآيات، وهذا لهدى ثواب الاهتداء في الدنيا، كما أن خلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا.
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (18/ 171)، وشفاء العليل لابن القيم (1/ 181) وما بعدها، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1/ 334، والإرشاد للجويني ص 233.
(3) في جميع النسخ (ونظيره) ويظهر أنها زيادة، ولا يستقيم المعنى بها.
(4) (له) سقطت من (د).

<<  <  ج: ص:  >  >>