فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذه المسائل من أشرف العلم، وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع (1).

والمقصود هنا أن (2) ما ذكره هذا الشخص (3) من النصوص ليس، فيه إثبات الأسباب والحكم لأفعال الرب التي نفاها عن غيره، وبيان ذلك أن الأسباب عند من يقول بإثباتها هي من جملة الحوادث (4)؛ التي يكون الرب -عز وجل- فاعلًا لها، فالقول في إحداثه للسبب والحكمة كالقول في إحداثه ما بينهما، يمتنع أن يكون شيء من ذلك محدثًا لغيره، بل هو مُحدث جميع (5) المحدثات، وليس في ذلك ما يوجب كون الأسباب محدثة، وأيضًا فهذه الآيات التي ذكر ليس فيها إثبات حكم شيء من المحدثات كقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} (6) [الأنفال: 72] , بل ولا فيها إثبات نسبة الفعل إلى الرب، بل فيها إثبات بعض أفعال العباد؛ كهدايته وإعانته، وأفعال العباد لا تختص بكونها أسبابًا دون غيرها من الحوادث، فكلام هذا الرجل كلام من لم يتصور صحيحًا ولا عبر فصيحًا.


= والمشايخ ص 188 وبهامشه كتاب الأرواح النافح له أيضاً (طبعة مكتبة دار البيان دمشق): قال جماعة من متأخري المتكلمين منهم (أي الأشاعرة): "يستحيل تعليل أفعال الباري -تعالى- وظهر هذا المذهب وغلب حتى يظن من لم يكثر مطالعة كتبهم أنهم مجمعون عليه، وأما المكثر فيجد القائل بهذه المقالة هم الأقل في المتأخرين فضلاً عن المتقدمين ويرشدك إلى هذا إطباق فقهاء الأشاعرة على تعليل الأحكام". أ. هـ.
(1) انظر: أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى 8/ 81 وما بعدها، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تأليف ابن قيم الجوزية 2/ 127 - 256. والحكمة والتعليل في أفعال الله -تعالى-, تأليف د. محمد هادي ربيع المدخلي ص 13 - 75، ص 195 - 210.
(2) (أن) سقطت من (د).
(3) أي البكري.
(4) الحوادث: جمع حادث وهو ما يكون مسبوقًا بالعدم، ويسمى حدوثًا زمنيًا، وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير ويسمى حدوثًا ذاتيًا. التعريفات ص 81 باب الحاء.
(5) في (د) لجميع.
(6) الآية في جميع النسخ (وعليكم النصر) ولم ترد الآية بالواو بالقرآن الكريم، ويظهر أنه خطأ من الناسخ لأنه سبق ذكر الآية صحيحة.

<<  <  ج: ص:  >  >>