فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وحينئذٍ فإذا قدر أن سائلًا سأل هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين؟ فقيل له: لا [تستغث] (1) بأحد منهم لا نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث بالنبي فكيف بمن دونه!! أو قيل: أفضل الخلق لا يستغاث به، أو نحو ذلك من العبارات التي يفهم منها عموم النفي، وأنه ذُكر الأفضل تحقيقًا للعموم، كان هذا من أحسن الكلام كما تقدم.

كما إذا قيل: لا يُسجد لقبره ولا يتمسح به ولا يقبل، ولا يتخذ وثنًا يعبد ونحو ذلك.

وكذلك لو كان الخطاب ابتداءً في سياق التوحيد ونفي خصائص الرب عن العبد، فقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله لا يطلب إلا منه لا من نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث فيه بالنبي، فكيف من دونه أو نحو هذا الكلام كان حسنًا.

فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء.

والثاني (2): الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق.

فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيًا ولا غيره، ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، وليس لأحد أن يسأل ميتًا؛ أو يستغيت به في شيء من الأشياء؛ سواء كان نبيًا أو غيره، وإذا كان كذلك فجميع ما وقع هو من هذا الباب، ولم يفهم أحد من الخلق شيئًا إلا هذا.

الوجه الثالث: قوله: (من نفى الحقائق نفيًا عامًا يفهم به الإشارة للتوحيد، وإفراد الباري بالقدرة، عددناه من المنزهين؛ ولم (3) يجعل ذلك إبطالًا للحكمة، ومن خص الرسول أو الملائكة بنفي خاص، يفهم من طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب، فقد نقصهم بعبارته وإن نوى معاني التوحيد).

يقال له: أولًا قولك: عددناه من المنزهين، عبارة في غير موضعها، بل حقه أن يقال: من الموحدين، فإن التنزيه نفي النقائص عن الله -عز وجل- , وأما (4) الإشارة إلي التوحيد وإفراده بالقدرة فيسمى توحيدًا.


(1) كذا في (ف) و (د) و (ح) وفي الأصل (يستغيث).
(2) في (د) الثانية.
(3) في (د) فلم.
(4) في (ف) (فأما).

<<  <  ج: ص:  >  >>